English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


ا
ستكمالا لحديث الازدواجية عند الرجل الشرقي:
البحث عن مجتمع يخلو من العلاقات غير النزيهة نوع من الوهم

صائب عبد الحميد

 يعالج المقال الذي نشرته مجلتكم الثرى في عددها السابق إشكالية الرجل الشرقي كظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار في مجتمعاتنا من خلال أنموذج يتكرر بيننا في كل ساعة على الأقل.. إنه جزء من الظاهرة التي عبر عنها مفكرنا العراقي علي الوردي بالتناشز الاجتماعي وازدواج الشخصية. إنّ تغييرات هائلة طرأت في العصر الحديث انعكست آثارها على الحياة الاجتماعية، بعض هذه التغييرات كان يجري ببطئ او بانتظام، ومن خصائص التغير البطيئ أن المجتمع يمكن أن يتكيف معه بمرور الأيام، فلا يظهر فيه صراع عنيف أو تناقض بين القديم والجديد.

لكن ثمة تغييرات اخرى تباغت المجتمع فتجري بسرعة غير متلائمة مع سرعة الانتقال الاجتماعي، ومثل هذه التغييرات لا يؤثر في جميع الكيان الاجتماعي على درجة واحدة، فكثيراً ما يكون هناك جزءان مترابطان، ثم يحدث التغير في أحدهما دون أن يحدث في الآخر، أو قد يحدث في أحدهما أسرع مما يحدث في الآخر، فيؤدي ذلك إلى صراع أو توتر أو تناقض بينهما، وهذا هو المراد بالتناشز الاجتماعي.

ومن ميادين هذا التناشز تناشز المرأة والرجل، فهناك ثلاثة أشكال لهذا النوع من التناشز يمكن ان نرصدها بسهولة:

- يدور الأول حول الوضع التقليدي الحاكم على المرأة وطموحاتها الجديدة، فالوضع التقليدي لا يبيح  للمرأة أن تبدي رأيها علانية في أمر زواجها، فأهلها هم الذين يفاوضون في زواجها ويساومون على مهرها، وليس لها إلا أن تقول «نعم» أما إذا امتنعت فسوف تتهم بأنها «عاشقة» وقد ينهال عليها ولي أمرها بالعصا، أو يذبحها بالخنجر.. لكن المرأة الحديثة التي حظيت بنصيب جيد من التعليم أصبحت لا ترضى لنفسها أن تكون موضع مساومة لا إرادة لها فيها، فهي تريد أن يكون أمرها بيدها تختار لنفسها من تشاء.. ومن هنا ينشأ الصراع بين الثقافتين.. مشكلة هؤلاء أنهم تغيروا بمفاهيمهم العائلية تغيراً سريعاً، بينما جيل الآباء والأمهات لم يزل محافظاً على المفاهيم القديمة، أو أنه لم يتغير إلا قليلاً.

وهناك شكل آخر من أشكال هذا التناشز يحدث في أعماق الفرد نفسه، فالفتى قد يندفع في الغرام مع فتاة ويغريها بما يستطيع من فنون كلامه، وتمضي بهما الايام وهو لا يكف عن فنون اغرائه ووعوده، فاذا صدقت الفتاة كلامه وعرضت عليه الزواج ، انتفضت التقاليد العائلية القديمة من أعماقه، وأخذ يبحث عن فتاة أخرى تلائم تلك التقاليد.

أما الشكل الثالث فهو الذي يدور حوله هذا المقال وينتظم فيه هذا المثال، فالفتى لا يجد حرجا من الدخول في علائق عشق وغرام كاذبة أو صادقة مع فتيات في محيطه الخاص، الجيران، المدرسة، السوق، وغيرها، ويتحرق على حرية هذه العشيقة وقدرتها على تحقيق رغبته في اللقاءات المنتظمة والاتصالات الهاتفية او الانترنيتية، ويجد ذلك من كمال وفائها له.. لكنه بالدرجة نفسها وأشد يحرص على ان لا تكون اخته او من تتصل اليه بنسب قريب صديقة او عشيقة لشاب مثله.

وهذا وذاك من مصاديق الازدواجية في بعدها الاجتماعي، الذي يعني أن يسلك الإنسان سلوكاً متناقضاً دون أن يشعر بهذا التناقض، أو دون أن يعترف به، وهو ينشأ عن وقوع الإنسان تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم أو المفاهيم، فهو يتأثر بأحد النظامين تارة، وبالآخر تارة أخرى.

وربما يفعل ذلك دون أن يفطن إلى ما في سلوكه من ازدواج عجيب.

ترى هل هي ظاهرة شرقية بامتياز، ينتجها الشرق بما هو شرق فلا تنفصل عن مجتمع شرقي في كل الاحوال؟

أم هي من الظواهر الاجتماعية التي تنتجها أنماط خاصة من النظم والعلائق الاجتماعية، فيمكن ان تظهر في مجتمع شرقي وتغيب في آخر شرقي مثله؟ ام من الممكن ان تظهر في مجتمع غربي ايضا، حيث ما سادت تلك الانماط من النظم والعلائق والتقاليد؟

ليس مهما ان نطيل السرد للبرهان عى هذا او ذاك، يكفينا ان ننظر الى المجتمع الصيني والياباني والتركي والروسي، وكلها مجتمعات شرقية، لكنها لا تعيش اليوم هذا النمط من التناشز او الازدواجية.. كما يمكننا ان نرصد نمطا مماثلا من الازدواجية في كل المجتمعات الغربية، فالفتي الغربي الذي يقيم علاقة حب مع فتاة لا يمتنع في نفسه عن اقامة علاقات صداقة معمقة مع فتيات اخريات، لكنه في الوقت نفسه لا يرتضي لمحبوبته مثل هذه العلاقات.

هناك اذا جذور متعددة لهذه الاشكالية، منها بكل تأكيد المنظومة القيمية التي تفرض سلطانها في المجتمع، ومنها ايضا العامل النفسي الذي يمكن ان يصل الى درجة الغريزية في بعض الاحيان.

ما الذي يشكل منظومتنا القيمية نحن بالدرجة الاولى، هل الدين ام التقاليد العشائرية ام الثقافة الجديدة؟

لا أحد يستطيع الادعاء ان في احكام الدين الاسلامي حكما خاصا في معاقبة الفتاة التي تتخذ حبيبا او صديقا، نعم هناك النهي عما يكون مدخلا الى الفاحشة، لكن ليس هناك احكام جزائية على ذلك.. ما خلا الفاحشة نفسها التي لابد ان تثبت اما بالاعتراف الحر، او بالشهادات الكافية على النحو الذي شدد فيه الشرع بقوة، واما بالقرائن الدالة دلالة قطعية.

من الاخبار المعروفة في السيرة النبوية أن رجلا جاء الى النبي(ص) معترفا بذنب يطلب المخرج منه، فقال انه قد التقى فتاة ودار بينهما كلام ثم قبـّلها، فجاء يطلب المخرج من ذنب القبلات تلك.. فكان كل ما قاله له النبي ان امره بصلاة الليل وبعض العبادات المستحبة، مبينا له:«ان الحسنات يذهبن السيئات». ولم نقرأ في القرآن الكريم حكما خاصا بانزال بعض العقاب على هذا النوع من الاخطاء.. ولا قرأنا في السيرة النبوية كلها ان هناك حالة عقاب واحدة طالت فعلا من هذا القبيل..

من اين جاء نظام العقوبات هذا اذن؟

ليس بعيدا علينا ان نلمس تقاليدنا العشائرية المتراكمة التي تسن من هذه القوانين ما لا ظابط له، بل هو خاضع دائما لمزاج الرجل الولي ودرجة انفعاله التي تحكمها الى حد بعيد بيئته القبلية الخاصة، وربما مزاجه الشخصي ايضا. ولا يعني انتشارنا في المدن اننا تحررنا من سطوة تلك التقاليد التي نشأنا في اجوائها وتحت هيمنتها.

ربما يكون هذا النمط من القوانين العشائرية أبعد انماط قوانينها الاخرى عن النقد الديني من قبل علماء الدين ورجال الدين والدعاة المدنيين، والسبب في ذلك ذو بعدين؛ فرجال الدين من أي طبقة كانوا هم انفسهم ابناء هذه المجتمعات وتقاليدها، يرون فيها ما يوفر لهم الارتياح والسكون النفسي.. اما البعد الثاني فهو خاضع لتقدير المصلحة الاجتماعية العامة عند بعضهم، فهذا النوع من التحكم بحرية المرأة يقف بلا شك أمام انتشارمظاهر مرفوضة عرفا و دينا، لا يستطيع الوعظ الديني وحده الحد منها.

اريد ان استعير النموذج الذي دافعت عنه الكاتبة هنا وهي تقول:« ولسنا في الغرب حتى ننادي شبابنا وفتياتنا بعلاقات حب على الطراز الغربي، لنا أخلاقنا وعاداتنا، ولا تحرم الأديان مطلقا الحب العفيف الذي يختتم في نهايته ببيت وأسرة واستقرار، هو ذا الحب الحقيقي الذي علينا أن نتمسك به دائما، وما نراه في يومنا هذا ليس تركيزا على العلاقة العاطفية النبيلة  بقدر ما يغلف الموضوع شعارات مزيفة وعواطف استهلاكية  تحاصرها الظروف من مختلف النواحي فتنتهي بالفشل». استعير هذه الصورة لأجد فيها  دفاعا خفيا عن سلطة التقاليد ذاتها التي تهاجمها الكاتبة، لا اعني فقط اشارتها الى ما يميزنا عن المجتمع الغربي من أخلاق وعادات استندت اليها الكاتبة، بل أعني ما تتظمنه هذه المنظومة التي تشير اليها من قيم دعت الكاتبة الى القبول بمستوى واحد من العلاقة الخاصة بين الجل والمرأة، هو ذلك المستوى النزيه الذي يقوم على نوايا صادقة وينتهي بالزواج وتشكيل الاسرة.. هنا تنبعث منظومة القيم نفسها لتثير السؤال عن طبيعة الضمانات التي تحرز انحصار العلائق الخاصة بهذا المستوى منها.. عن نسبة تحقق هذا المستوى من العلاقات الخاصة الناجحة الى نسبة العلاقات الفاشلة التي تدينها الكاتبة.. هذا الفراغ هو الذي يثير فزع القيم الاولى ويكشّر عن أنيابها. فليس من السهولة تفكيك هذه القضايا المتداخلة.. لكن ليس من الصعب بالدرجة نفسها ان نفهم معادلتين تدخلان في فهم وحلحلة هذه الاشكالية الاجتماعية..

   ـ أن نفهم أن الثقافة هي عادات ونظم اجتماعية، قبل أن تكون أفكاراً ومحفوظات، فالفرد في البلاد الغربية ينشأ في حياته البيتية على عادات تلائم الثقافة التي يعيش فيها، فلهذا فهو إذا كبر لا يجد فرقاً كبيراً بين حياته الأولى في طفولته وبين حياته الثانية في كبره، أمّا الفرد عندنا فهو ينشأ في بيئة محلية مفعمة بقيم العصبية، حتى إذا كبر تعلم أفكاراً مناقضة لتلك القيم، وهو بذلك قد يجد نفسه مضطراً أن يجاري هذه تارة وتلك تارة أخرى.

   ـ أما المعادلة الثانية فهي اكثر تعقيدا كونها تخضع للبعد النفسي ـ البيئي اكثر منها خضوعا للمنطق والملموس الواقعي، تلك هي ان نفهم ان العلاقة الخاصة بين شاب وشابة او رجل وامرأة هي جزء من واقع الحياة وطبيعتها بحيث لا يمكن التنكر لها او ايقافها، وحتى حين تكون السلطة الاجتماعية صارمة الى الحد الذي يحول دون ظهور شيئ من هذه العلاقات، فانها تجري في الخفاء حتما وبلا شك او ترديد.. ان البحث عن مجتمع يخلو حتى من تلك العلاقات غير النزيهة او المحكوم عليها بالفشل هو نوع من الوهم وضرب من الخيال.. ان هذه الصورة المتخيلة لمجتمع معصوم من هذه الناحية لم يتحدث عنها أحد في أكثر ادوار التاريخ تمتعا بالتكاملية الانسانية والاجتماعية وفي مقدمتها العهد النبوي في تاريخ الاسلام، وما هذا الاغراق في الوهم الا بدافع من حاجة داخلية لنوع من الاستقرار النفسي الذي يوفره المرء لنفسه ولو عن طريق خداعها.. فمتى ما آمن الرجل بان حقيقة الحياة هي هكذا، لا غير، فانه سيكون اكثر عقلانية في التعاطي مع تعقيداتها وتداخلاتها.. وهكذا بالضبط كان يجري التعامل مع هذه المعطيات في العهد النبوي، والامثلة عليه متوفرة في أهم كتب السيرة النبوية. ربما لا يحتمل الكثير منا بل معضمنا سماعها، وحتى الفقهاء الذين يعالجون فقه السيرة لا يتوقفون عندها بما تستحق لهذا السبب نفسه، اعني عدم احتمال مجتمعنا سماعها. . بل اضيف شاهدا حيا على تعاطينا نحن في مجتمعاتنا العربية بطريقة عقلانية او واقعية الى حد كبير مع مثل هذه القضايا، أعني بالتحديد ان احدا من الرجال لا ينقــّب التنقيب الدقيق عما اذا كانت الفتاة التي ينوي الزواج منها قد كان لها سابق علاقة مع شاب آخر، بل يكتفي بما هو ظاهر من الامر، فما المانع من ان تكون  هذه الفتاة المحافظة ، ابنة الاسرة المحافظة، قد تعلقت بقريب او جار او زميل لها ورغبت الزواج منه لكن ذلك لم يحصل؟ ولولا هذا السلوك العقلاني لفشلت نسبة كبيرة من مشاريع الزواج حتى في اشد المجتمعات تعصبا.. الامر ليس مرعبا بقدر ما هو واقعي.

المشكلة اذن مشكلة ثقافة، ربما تكون المرأة مسهمة في خلقها وتطويرها، حتى لو كانت هي ضحيتها.

ارجو الا اكون قد اطلت كثيرا.. وختاما تحية للكاتبة والصحفية الناشطة لافا خالد لما تقدمه دوما من متابعات مهمة وما تثيره من قضايا جديرة بالمطارحات النظرية المعمقة والمعالجات العملية ذات الابعاد الاستراتيجية.



 

 

للتعليق:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

التعليق:

 

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة