English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


رهينة المحبسين ....المرأة من سجن الأهل إلى سجن الزوج

لافا خالد

 حينما تولد البنت ترسم للحزن عشرات الملامح، ومفردة واحدة لإلغاء وجودها!! يتأفف الكثيرون، قد تبكي الأم حظها العاثر لأن عيون زوجها تتهمها بأنها أم البنات، أما الأب فسياط جهله تمنعه من تقبل حقيقة إنه وحده من يحمل الكروموسوم المسئول عن تحديد جنس الجنين، فيجلد الأم و الابنة بسياط ما بعد سقوط مجتمع المشاعة، أما هي فإنها أصغر من أن تدرك أو تكتشف جريمة كونها بنت وعليها أن تتكيف مع الحالة وتتحول إلى وعاء لاحتواء ثقافة الذكورة وهي مستسلمة تماما لقدرها، مقنعة نفسها بأنها الأضعف وان كانت في الأصل منبع الوجود والقوة، وبحكم الثقافة المتخلفة عليها أن تكون الوعاء لإطفاء غرائز ونزوات الرجل الذي لا يرى في التاريخ و الزمن غير كونه  الليلة الطويلة ضمن الليالي الألف، وبعدها ليلة و لن تنتهي إن لم يتهدم جدران أقدم سجن ونهاية سلطة أول سجان بتحرر أول سجينة في تاريخ البشرية ألا وهي الأنثى التي ورثت معاناة ما يزيد عن 5 آلاف سنة من سجن لم ولن تكون أبوابها مشرعة صوب الحرية ليومنا هذا. فطرقات وبوابات خروج المرأة من سجنها تؤدي كلها إلى سجن آخر،  وانتقالاتها عبر الزمن، الحضارات، المكان، الطبقة ما هي إلا انتقالات  شكلية تتغير فيها ملامح وأسماء السجانين.

كثيرات وكثيرات يشتكين حياتهن في كنف الأسرة وكثيرات أيضا لا يتفاءلن بمستقبلهن فيما لو انتقلن إلى عش الزوجية!! كل من التقيت بهنّ لم تتفوه واحدة بأن الفتاة وضعها في بيت أهلها أفضل من بيت الزوج كلاهما يقمع المرأة لا الأب والأخ  يتفهم ظروفها..تفكيرها ..احتياجاتها.. في مجتمع هو ذكوري أساساً ولن تجد من سيلامس إحساسها بأنها كائن ليست دون الرجل في شيء

 إذن بعد دوامة القمع والعنف النفسي وربما الجسدي في السجنين معاً ستبحث المرأة عن الهامش كي تمضي ما تبقى من عمرها مقاومة دونما استسلام  في زمن الرجل و اسقاطة ضوء من حريته كي تتخلص من مؤسسة وخلية سابقة من مخلفات ثقافة الذكورة، والسؤال: هل تجد هامش حريتها هناك، هل تجد في قصائد العاشق والزوج انتصارا للقصيدة على سوط الذكورة أم إن الرجل يبقى أسير ما أنتجه عبر تاريخه الذي لم يكن إلا تاريخا مشوها لأنه افتقر للأنوثة .

أسئلة قد تكون الإجابات عنها مفتوحة لان تناول وضع الأنثى وبالذات في بيت والدها والاختلاف عما تلاقيها في بيت زوجها موضوع شائك ونلاقي في طرق البحث عن الاختلاف بينهما التابو الذي يحذر بقوة ( قف ) المجال ملغوم والفضاء مغلق لان الموضوع  يمس الأب والزوج، العائلة والزواج.

 فهل تمنعنا السلطة المورثة وان زاد عمرها عن 5 آلاف سنة أن نقتحم هذا المجال الإنساني؟

في لحظة ولادة البنت تجتمع كل المفاهيم المنسلة من خيم البداوة في بيوت الشرق وحارتها التي تطل على المرأة باعتبارها زائدة أخرى أو فائضة جيدة للمجتمع وخاصة إنها اقتحمت وتقتحم كل لحظة الأسلاك التي تمنعها  ظهورها وولادتها رغم النظرة الدونية  لحظة ولادتها وفترة حياتها.

هل يمكننا القول إن الفتاة تعيش سجنها الأول في البيت الذي بدأت معها كتابة تاريخها؟

و إن كان كذلك فمن هو السجان، وهل كان للسجان خيارات أخرى لم يختاره؟

صحيح إن العائلة تمثل الخلية الأولى للمجتمع الإنساني ولكن المجتمع الذي لا يملك توازناًً في علاقته، عدالة في توزيع إنتاجه المادي ومصادر قراره، فهل يمكنا عكس الصورة القاتمة على الخلية الأولى ونقصد به العائلة؟

في علومنا الاجتماعية نجد تعريفا يجسد ويثبت التسلسل الهرمي للعائلة، تسلسل أشبه بتراتيبية الوضع الطبقي ولاجتماعي للمجتمع، حيث يُعرف الأب بكونه رب الأسرة، رب محكوم ومحاصر بما أنتجه فكرياً ومعرفياً يصعب عليه تجاوزه وان كان على مشاعر الأبوة فيه، الأب المُستغل طبقيا ينقل ما يتعرض له من قمع طبقي إلى البيت ليجعل من العائلة هرمية جديدة للمجتمع الطبقي يكون التسلسل فيه ( الأب ثم الأبناء ثم الأم ثم البنت) في تلك الهرمية تعيش الفتاة، الأم تشعر بما تعيشها بنتها لأنها سبقتها بالمعانات ذاتها ولكنها تصطف مع زوجها وأولادها ضد ابنتها كي تنال رضا السلطة في البيت، الوضع الاقتصادي للعائلة يؤثر على نوعية سجن الفتاة والخدمات المقدمة لها وهذا هو الاختلاف بين وضع الفتاة الغنية والفقيرة، الأب الذي حاصر فكره وسلوكه بمنظومة فكرية وثقافية أنتجه عبر التاريخ لا يمكنه أن ينصاع لقلب الأبوة الدافئ لان قوة العادة الاجتماعية اكبر من مشاعره التي شوهتها حضارة الذكورة.

يبقى الأب قلقا فالبنت قنبلة موقوتة بحسب مفهوم المجتمع الذكوري لذا  يجب أن تُنزع فتيل هذه القنبلة، لذا نجد في أمثالنا الكثير حول الحالة ومنها ( موت البنت سترة)( زواجها المبكر سترة ) ( إنجابها المبكر سترة ) وكإن المرأة حقا عار وعار وعار أين الحل من وجهة نظر الأب؟

 المفاهيم الشرقية وجدت في بيت الزوج أو السجان اللاحق خير من يستلم الرهينة الضعيفة بنظره، عليه أن يستلمه بكامل عدتها ومشتقات أسرها، فهل تجد الفتاة حريتها الموعودة عبر كلمات العاشق أو مساومات بيعها في عملية تجارية تُحدد سعرها حسب نوع وعمر وجمال البضاعة المتمثلة بامرأة تبحث عن ذاتها.

أما وضع المرأة في بيت زوجها فان الموروث الثقافي والأمثال الشعبية التي قد لا تعبر عن الحقيقة وان كانت تمثل المفهوم والموقف الجمعي للشعوب تجاه الظواهر والعلاقات تؤكد على وضعها الغير إنساني فعلى سبيل المثال يقول المثل الشعبي (جهنم جوزي ولا جنة أبويا) فهل يمكننا المجازفة بالقول إن بيت الزوجية يمثل وكما يقول المثل جهنم ارضي؟

لا نتحدث عن الاستثناء، لان تناول القاعدة يدلنا على الحقائق ومنها حقيقة سقوط وزن وقوافي العشاق التي كتبت للحبيبة بعد تحولها إلى ( زوجة ) وهذا ما يؤكده وضعها في عش الزوجية، فالمرأة في المجتمعات الشرقية تتحول إلى أداة متحركة في مطبخ الزوج لذا كتبت ثقافة الذكورة في تلك الحالة الكثير من الأمثال ومنها ( كسب الرجل يتم من خلال معدته)، عليها أن تتحول ماكينة لإنتاج الأطفال، وان لا تخرج أو تسافر إلا ومعها المَحرم وان كان زوجا غير مكتمل العقل أو ابن مازال في فترة المراهقة.

معانات المرأة تبدأ مع عقلية الرجل الذي يرى في نفسه إلا الديك الوحيد بين دجاجات الحي أو المدينة وما على المرأة إلا أن تقتل كل عناصر الجمال فيها حينما تخرج بمعيته، عليها أن تظهر جمالها في بيتها وتظهر قبحها خارج البيت لان مفهوم الرجل وبما أنتجه من أمثال شعبية يريدها قبيحة ( القبح حارس المرأة ) أي ستكون بمأمن من النظرات الشريرة حينما تكون قبيحة.

أما وضعها في البيت فإنها لا تملك أية إرادة أو قرار فالرجل هو الحاكم الأوحد وإذا ما قام بمشورتها فما هي إلا محاولة لإقرار عكس رأيها حيث يقول المثل الشعبي (شاور المرة واخلف شورتها ) أو(الراجل ابن الراجل عمره ما يشاور مرة ) أما حالات ضرب المرأة وهي بنت في بيت والدها أو زوجة في بيت زوجها فان الإحصائيات و البيانات الدولية تؤكد على مدى انتشار تلك الظاهرة بل وحتى تسجيلها في البلدان الغربية فما بالكم بمجتمعاتنا التي لازالت مثقلة بمخلفات عصور بعيدة لا بل بعيدة جدا حتى وإن تظاهرت بالتقدم والتمدن في عصر التكنولوجيا التي لم نرث سوى مخلفاتها؟.

إن من أنتج مثل هذه الثقافة التي تقول عبر مثلها الشعبي (اكسر للبنت ضلع يطلع لها اثنين ) لم ولن تكون إلا ثقافة إلغاء وجودها بل واحتقارها أينما كانت على صعيد وضعها ومكانتها.

المرأة التي تنتقل عبر سجن حضاري لسجن حضاري آخر لم ولن تتحرر من سجنها وتعدد ملامح سجانيها إذا لم تتخلص من عقدة الشعور بالنقص والاعتزاز بأنوثتها لأنها هي الأصل.

 

 

 

 

للتعليق:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

التعليق:

 

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة