|
أسرار ما قبل الولادة
ايمان ونوس
بدأت
الحكاية لحظة علمي بأنني حامل في وقت غير صالح لقدوم طفل جديد لا من حيث
الإمكانيات ولا من حيث عدد الأطفال في الأسرة، إذ لدي ثلاثة أطفال- ولدان
وبنت- وكنت مقتنعة بهذا العدد من الأولاد. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي
السفن كما يقال، فلقد حدث الحمل وسقطت كل المحاولات الرامية للإجهاض بسبب
وضعي النفسي والجسدي، إذ أن في هذا الإجهاض مخاطرة بحياتي، فأذعنت مرغمة
على استمرارية الحمل رغم رفضي الدائم ومحاولاتي التقليدية لإجهاضه، بسبب
عمري المتقدم قياساً للحمل، إضافة إلى الفارق الكبير بين الابن الأصغر
والمولود القادم، لكن لا جدوى.
وجاءت لحظة الولادة والتي كنت أتمنى فيها أن يكون المولود أنثى، وكم كانت
فرحتي عظيمة ولا حدود لها عندما علمت أن المولود أنثى، حيث أنني اخترت لها
اسماً جميلاً كصورتها البريئة، وجمال عينيها الواسعتين السوداوين.
رغم كل رفضي لهذا الحمل إلاّ أنني تعاملت مع المولودة الجديدة بحب وبما
تمليه عليّ أمومتي وواجبات التربية، إضافة لكونها أنثى.
وهكذا مرت الأيام وكبرت تلك الطفلة رائعة الجمال محاطة بحب واهتمام كل
أفراد الأسرة، حتى أن الأب العصبي دائماً كانت قد هدأت ثورته قليلاً بعد
مجيء الطفلة. حاولت أن أتجاوز بتربيتها عن كل أخطائي السابقة في تربية
إخوتها من ضرب وتوبيخ وما شابه، لأنني كنت قد تعرفت أكثر إلى أساليب
التربية السليمة جسدياً ونفسياً، وهكذا كان فلم أستعمل الضرب أبداً، بل كان
الحوار والتهذيب والعقوبات المعنوية الخفيفة، وهذا ما كان يأخذه عليّ
إخوتها لأنني مارست معهم الضرب والتعنيف في كثير من الأحيان.
كبرت الصغيرة وبدأت تدخل مرحلة المراهقة، ولديها إحساس أنها عقبة في طريقنا
جميعاً...
إضافة إلى إحساسها أو شعورها الدائم بينها وبين نفسها أنني لا أرغب بها ولا
أحبها، لأنني في فترة الحمل حاولت أكثر من مرة إجهاضها.
كنتُ أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب رفضها شبه الدائم للكثير من القضايا
والأمور التي نتناقش بها في البيت، وهذا ما يشاركها به أخوها الذي يسبقها
في الترتيب، إذ أنه أيضاً أتى من حمل مرفوض بدايةً، وبقي الرفض قائماً طوال
فترة الحمل، لكن الأمور تغيرت بعد ولادته مثلما تغيرت مع أخته، غير أن
الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو رفضهما الدائم للكثير من الأمور والتوجيهات
التي أقدمها لهما..
إلى أن عرفت أن الطب النفسي أثبت أن الطفل الذي يأتي من حمل مرفوض سيبقى
رافضاً لكثير من الأمور والأشياء رغم كل عناية تربوية أو نفسية تُقدم له..
وهذا ما خفف عليّ بعض المتاعب لأنني بدأت أتعامل معهما بطريقة مغايرة
تقديراً لظروف مجيئهما للحياة...
لكن لم يخطر ببالي ولو للحظة أن تنفر مني ابنتي وتكرهني وتكره الدنيا لأنني
لم أكن راغبة في بقاء الحمل وهي جنين في أحشائي.
قالت ذات مرة في مذكراتها الخاصة بها:
" ما ذنبي إذا كنتِ لا ترغبين في الحمل..؟ لماذا حملتِ بي وأنت لا ترغبين
بالأولاد..؟
لماذا لم تكوني على قدر من المسؤولية تجاه نفسك وتجاهي قبل أن يتم الحمل..؟
أنا لا أحبك.. ولا أستطيع أن أبوح بهذا الأمر حتى لا يعيرني الناس بعدم حبي
لأمي، ولأن حب الأم أمر طبيعي وبديهي، لكنني لا أحبك لأنك لم تحبني يوماً،
ولن تحبيني مهما قدمت لك من إيجابيات تعزز مكانتي لديك، ثمّ من قال لك أن
تربيني بطريقة حديثة غير تربية إخوتي، وهل أنا حقل تجارب لديك حتى تجربي
التربية بدون ضرب ..؟"
لكنني عرفت السبب الذي أدى بها لحمل كل تلك القناعات من كرهها لي ورفضها
لكل ما أقول.
والسبب هو أنني كنتُ دائماً أتحدث أمامها كيف أنني لم أكن راغبة في قدوم
طفل جديد، وكم هي المحاولات والطرق التي استخدمتها لإجهاضها ولم أفلح...
وعندما يكون الطفل ذا حساسية عالية إضافة لمستوى من الذكاء أعلى من أقرانه،
فربما يكون تلقيه لمثل هذه الأحاديث تلقي غير عادي، وتعامله معها بطريقة
تختلف عن كثير من الأطفال الآخرين.
من هنا أقول أننا كآباء ومربين نُخطئ كثيراً عندما نتحدث عن فترة الحمل وما
فيها من أحداث تكون بذرة خصبة لخيال ينسجه الطفل ويبني عليه في كثير من
الأحيان والحالات أساس تعامله اللاحق مع الأسرة ولا سيما الأم، حيث تتأثر
بنيته النفسية بموقف الأم منه وهو جنيناً في رحمها رفضاً أو قبولاً، فيرى
الحياة فيما بعد من خلال هذا الموقف لأن تركيبته النفسية والعقلية لا تمكنه
من تحليل الأمور واستيعابها بشكل دقيق ومنطقي.
لذا على الأم الابتعاد قدر الإمكان عن تلك الأحاديث بحضور الأطفال تجنباً
لما يمكن أن يتعزز في نفسية طفل جاء من حمل مرفوض.
|