|
استقلالية المرأة من منظور الرجل
فارس شمسي
يختلف
مفهوم استقلالية المرأة بين المجتمعات وفقاً لدرجة تطورها الاجتماعي
والفكري والاقتصادي. ورغم الاتفاق عليه كمصطلح تبقى مضامينه متفاوتة
فالمساواة بالرجل والابتعاد عن نظرية الشك والريبة ودونية المعاملة معها هي
من أولويات هذا المفهوم، إلا أن الجدل لا يزال قائما في مجتمعاتنا حول هذه
المسألة، مما يجعلها متأخرة على سلم الأولويات كغيرها من القضايا المرمية
في أقبية الأراشيف الحياتية. ولعل أكثر ما يخشاه الرجل من استقلالية المرأة
هو أن يدفعها نحو الخروج على سلطته والتعامل معه وفق عقلية الند، مما يجعله
يشعر بفقدان درجة التكليف المنوط به كحامي للأسرة وقيم عليها على عكس
المرأة التي تجاهد بالتخلص من قيود فرضت عليها وكبلتها ومنعتها من التعبير
عن المنهج الصحيح في التعامل الأسري السليم تحت دواعي التكليف المبتورة من
سياقها الصحيح.
سجالات كثيرة ومشكلات يومية بين الرجل وزوجته والأب والابنة أو الأخ والأخت
نابعة من هذا اللغط الحاصل في عدم استيعاب الصحيح للمفهوم ينجم عنه مشدات
كلامية وضغوط نفسية تصل بعض الأحيان إلى نتائج كارثية على صعيد التعامل
الأسري الداخلي من فوضى وتهكم بين أفراده والتي تبدأ من أبسط الأمور
كمشاهدة التلفاز وبعض برامجه والتي يكون توقيت بثها في نفس الوقت إلى أكبر
هذه المسائل كمسألة التعليم ونوعيته واختيار شريك الحياة.
استقلالية منزلية فقط
فكر اجتماعي تحصل من خلال تراكم فكري لنظرية الدونية والريبة في التعامل مع
المرأة لعقود طويلة، فشكلت أعرافاً أخذت هيئة القوانين التي لا يجب المساس
بها وتتوارث أباً عن جد ورسخت قناعات استمدت أصولها من نزعة التسلط التي
يرى البعض فيها عظمته وعنفوانه وهو يستمر في رؤية أن الاستقلالية يجب أن
تكون محصورة ضمن الشؤون المنزلية المتعلقة بعملها داخل إطار البيت من
الأمور التي يجد فيها الرجل راحة كبيرة ومتعة وهو ينأى بنفسه مبتعداً عنها
ويعطي لها بعداً قانونياً مزينة بلافتات الاستقلالية والحرية العظيمة وفيها
من المنة ما قد يتسع لهضم أي شيء.
غير ما أن تطرح مسألة الحوار والمحاورة في بعض القضايا الحياتية حتى تبدأ
صفارة الرجولة المطلقة بالإنذار فكل شيء تم وضعه في الحسبان إلا النقاش
والحوار فهي ممنوعة على قسم كبير منهن وأن تم السماع لأصوات البعض منهن فإن
ذلك يدخل من باب المراوغة والتحايل إذ بتلك المفاهيم فهي قاصرة لا تملك من
الطاقات الفكرية تضعها في مستوى الجدال والنقاش. الأمر الذي يمكن أن يصل
إلى أمور أخرى لا تحمد عقباه بالنسبة إليه وتسبب له منغصات أخرى كالمطالبة
مثلا بالميراث أو تحقيق استقلالية مادية كفلها الشرع الحنيف والقوانين لها
(وان كان للرجل ضعف نصيب الأنثى من الميراث فان الشرع عوضها من جانب آخر
بأن منحها الاستقلالية المادية وأمر الرجل بالنفقة عليها وضمان عيش كريم
لها) إلا أن الخطأ في الفهم القصور عن استيعاب المحتوى جعل الكثيرين ينظرون
لها على أنها وما تملك يدخل في إطار حيازته الشخصية.
استقلالية أم مجاراة للشكليات
ومن جانب آخر يجد الكثير ما يبرر تلك المخاوف من أن تكون الاستقلالية على
النمط الغربي فمحاولة المرأة الظهور ومجاراة النمط المقدم في المجتمعات
الأخرى وأن حققت أشواطاً متقدمة في إثبات ذاتها في المجال العلمي والفكري
والعملي فهي باعتقادهم تقفز فوق ذلك كله وتتمسك بالشكليات الاجتماعية خرقاً
للقيم الفكرية الأخلاقية والاجتماعية لمجتمعاتنا والقضية بنظرهم لا تتعلق
بالخروج أو التعلم أو غيرها بل تتعدى محاولة التطبع بعادات وطرق التعامل
والتفكير الاجتماعي الغربي في بيئة مناقضة لها ثقافياً وعقائدياً مما يحدث
شرخاً اجتماعياً كبيرا خاصة في ظل الفروقات بين البيئتين والانبهار بما
تحقق من تطور حياتي وفكري في تلك المجتمعات.
قوانين شكلية
ومن جانبها المرأة تدرك وجود قوانين وتشريعات تكفل لها المساواة
والاستقلالية من حق التعلم والعمل إلى المساواة في الأجور وحق اختيار الزوج
أو الرفض فكلها مبادئ تصون حقوقها إلا ان الأغلبية منهن ترين فيها حبرا على
الورق لان الوصي على تنفيذ هذه القوانين كثيرا ما يجد لنفسه من المسوغات
والمبررات لاستخراج استثناءات تخدم رؤيته ومصلحته الذاتية إذ الرجل أخيرا
من يقرر حقها أو أهليتها للتعليم ونوع التعليم وصولا في اختيار شريك الحياة
ففي حدود مجتمعاتنا كثيرا ما تساق المرأة إلى الرجل الذي اقنع الولي دون
الفتاة.
استقلالية تجاهد المرأة لنيلها من منطلق ان كل ما يعارضها هو نوع من
المحاكمة والمحاسبة والعقاب لذاتها من قبل المجتمع مما يشعرها بالغبن
والشعور بساسة الكيل بمكيالين فإذا كان القانون هو الذي يحاكم الرجل في
القضايا الحياتية الهامة فلماذا جعل الرجل نفسه هو المشرع والقانون الذي
تحاكم به المرأة في نفس القضايا بعيداً عن القانون العام.
استقلالية سيستمر اللغط حولها طالما استمر عدم وضوح الرؤية والقدرة على
التعبير الصحيح عنها فالمشكلة لا تكمن في الاستقلالية بل بتفسيرها الأمر
الذي يتطلب تضافر جهود مختلف الفئات الاجتماعية سيما النخبوية والفكرية في
تقديم رؤى سليمة وصحيحة للمفهوم للانطلاق في فضاءات جديدة خاصة نحن متأخرون
بسنوات طويلة عن المجتمعات المتقدمة وما زلنا نناقش في بديهيات الأبجدية
البشرية وإنسانيتنا كمن يفسر الماء بعد الجهد بالماء.
|