|
الأخلاق قيمة كلية
لا تتجزأ
إيمان أحمد ونوس
نتحدث
دائماً وباستمرار عن الفساد الذي وصل إليه المجتمع بكل شرائحه وفئاته
وأطيافه، و كأننا لسنا الأفراد الذين نشكل نسيج هذا المجتمع. ونُطالب
باجتثاث الفساد الذي تغلغل بأوصاله، وكأننا لسنا معنيين أو مشاركين فيه.
فهل وقف أحدنا وأعاد النظر بآلية تفكيره وتعامله مع الأشياء الكبيرة
والصغيرة على حد سواء بدءاً من البيت وحتى أي مكان يوجد فيه (عمل، دراسة،
نشاط ترفيهي، ثقافي.... وما إلى ذلك).؟؟
فما هو الفساد كمفهوم ولغة..؟
في تعريف ( كتاب الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية):
" الفساد هو: ضد الصلاح والاستقامة والأمان، هو انحلال وانحراف وقبح وحالة
تعفن وتدهور أخلاقي واجتماعي."
وهذا يعني أن الفساد يهدم ويصدع البنية البشرية في أي مجتمع، لأنه يمتد إلى
كافة مناحي الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية والقانونية.
ومن المعروف أن الأخلاق قيمة كلية غير قابلة للتجزئة، إذ كيف لأيَ منا أن
يكون صادقاً في جانب وكاذباً في جانب آخر..؟؟ أميناً في مسألة ما وخائناً
في مسألة أخرى..؟؟
أو أن يربي أولاده على الاستقامة والأخلاق، ومن ثم يقوم هو بخرق هذه
الاستقامة مبرراً هذا الخرق بمسوغات غير قابلة للتسويغ ولا للتبرير، وكما
يقول المثل العاميّ: "اللي بيسرق بيضة، بيسرق جمل" وبالتالي فإن كل منّا
يتمثل القيم والأعراف التي تربى عليها وحملها في نسغ شخصيته.
ولأن الإنسان بطبعه الفضولي يحب اكتشاف مجاهل الحياة وكيفية التعامل معها
وفق متغيرات العصر الذي يعيش فيه، فقد يحاول البعض ممارسة أخلاقيات تختلف
عن تلك التي حملها من بيئته وأسرته، وهذا ما يجعله يبرر تلك التصرفات على
أنها مواكبة للزمن الذي نعيشه كي لا نبقى مربوطين إلى شجرة القيم التي
أصبحت ( بنظره) قديمة لا تتناسب مع الراهن.
فهناك من يقرأ الشريعة والدين بطريقة تسوغ له ما يتصرفه من أمور فيها
ابتعاد حتى عن روح الدين والشرع. وهناك من يستغل خلل ما أو حالة فساد في
المجتمع ويحاول أن يعالجها وفق فلسفات تبرر له ما يقوم به من تصرفات لا
أخلاقية كمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فإذا كانت الغاية خيرة( برأيه) فحكماً
ستكون الوسيلة مثلها مهما كانت السبل المتبعة للوصول إليها. هذا غير صحيح
فالجوع لا يبرر لنا السرقة، بل يجب أن يحرض على العمل وعلى محاربة من هم
سبباً في وجود جياع في المجتمع.
كما أن البطالة لا تبرر لنا سلوك طرق تؤدي إلى الانحلال الأخلاقي
والاجتماعي وحتى النفسي بحجة عدم وجود مجالات أخرى للعمل.
فالإنسان الذي يمتلك قيم أخلاقية قوية متينة لا يمكن ولا لأية حالة مهما
كانت عامة أن تؤثر على سلوكه ونظرته للحياة وللقيم.
وأعتقد أنه علينا حالياً وفي ظل استشراء ظاهرة الفساد بكل مستوياته، علينا
الرجوع والعمل بالحكمة القائلة: " القناعة كنز لا يفنى " فهذه القناعة هي
الحارس الأمين والحصن المنيع الذي يقينا من الانحدار إلى درك الفساد.
والقناعة لا تعني الإحباط أو عدم الطموح، بل العكس هي في هذه الحالة
والظروف قيمة أخلاقية كبيرة تدفعنا للمحاولة إلى تحسين الظروف العامة
والخاصة بشكل سوي، وبتخطيط علمي وأخلاقي يوصلنا إلى مبتغانا عبر وسائل
شريفة وأكثر أخلاقية مما هو سائد.
فإذا كانت هناك شريحة ارتضت لنفسها أن تسطو على المال العام أو حتى الخاص،
لأجل أن ترضي شجعها وطمعها بما ليس ملكاً لها، وأصبحت تتحكم بلقمة عيشنا
وعملنا وحياتنا، فهذا لا يعني أن نبرر لأنفسنا ما يخالف القيم الأخلاقية
بحجة أننا نريد أن نسترد مالنا من هذه الفئة أو الشريحة التي اتسعت فعلاً
حتى شملت الغالبية من المجتمع.
أعود لأقول لا يستطيع أحدٌ إرغامنا على فعل شيء لا نريده مهما اشتدت وقست
الظروف والأيام، ما لم يكن في داخلنا بذرة ولو صغيرة جداً لقبول التنازل
والاستسلام للفساد وللمفسدين. بل علينا أن نعمل جميعاً على فضح وكشف بل
ومحاربة كل ظاهرة فساد في أي مكان، وضد أي شخص مهما كان مستواه، حتى ننقذ
أنفسنا وأولادنا ووطننا من آفة كادت أن تهلك الولد والبلد.
|