|
العمل الاجتماعي... مشكلة التخمين واليقين
يحيى الأوس
تقريباً..
نحو... قُرابة... كلمات مثل هذه هي كل ما يمكننا استخدامه للتعبير عن كل ما
له علاقة بقضايا المرأة في سورية، فليس هناك أي رقم يمكن تبنيه بالنسبة
لأية ظاهرة أو قضية، وكل ما هو متاح بضعة أرقام لا تعتمد على عمل استقصائي
بقدر ما تعتمد على تخمينات أو تقديرات لا يمكن الركون إليها أو اعتمادها.
ففي جرائم القتل بذريعة الشرف مثلاً يخرج إلى العلن رقم هو من 200 إلى 300
جريمة سنوية تقع سنويا في سورية، دون أية خلفيات للجهة أو الشخص الذي أطلق
هذا العدد للمرة الأولى، مع العلم ان المتتبع لهذه الظاهرة يكتشف نظرياً ان
هذا الرقم غير دقيق والعدد الحقيقي يفوق هذا العدد عملياً.
وإن كان هناك
رقم يمكن التحدث فيه حول جرائم الشرف فهناك عشرات القضايا الأخرى تفتقر إلى
أي رقم أو تقدير يمكن الحديث عنه كمعدلات العزوبة المتأخرة أو جرائم
الإغتصاب أو زواج الأقارب أو تعدد الزوجات أو نسب الإعاقة أوعدد حالات
الطلاق مثلاً وفقاً لنوعها أوزمن وقوعها من عمر الزواج أو عمر المطلقين،
علما أن دولا أخرى كالسعودية والكويت والجزائر باتت اليوم تطلق علانية
أرقام رسمية ودراسات قيمة حول هذه القضايا، وليس هذا فقط بل أصبح لدى هذه
الدول مراكز بحث وإحصاء أجتماعي تقوم بعملية التقدير والخروج بأرقام تقترب
من الواقع، كما أصبح لدى هذه الدول خبراء اجتماعيين على مستوى أساتذة جامعة
يقومون بالإشراف على حلقات بحث ورسائل ماجستير على مستوى عالي من التخصص
والعمق في قضايا الجندر والمرأة والطفل، ويكون للإعلام دور كبير في دعمها
وجعلها متاحة لكل الباحثين، في حين لا نزال في سورية بعيدين كل البعد عن
مثل هذه المراكز، كما تزال أبحاثنا الجامعية فقيرة بهذا النوع من الأبحاث،
وعندما تتوافر في حالات نادرة فهي لا تحظى غالباً بفرصة الخروج إلى
الإعلامن لتبقى حبيسة الجامعة ويكون مصيرها النسيان.
العنف ضد
المرأة الأوفر حظاً لجهة الإحصاء.
قضية العنف ضد
المرأة في سورية كانت أوفر حظاً في هذا المجال، وللمرة الأولى يتم طرح رقم
رسمي لهذه الظاهرة يفيد عن تعرض 25 % من السوريات للعنف عبر دراسة للاتحاد
النسائي العام قبل نحو عامين، وقبل هذه الدراسة هناك العديد من الدراسات
والجهود التي بُذلت من قبل ناشطين وخبراء وباحثين حول الظاهرة وكانت اللبنة
الأولى لما جاء بعدها من دراسات، على أن لا يعني هذا أن الرقم لذي طرحته
هذه الدراسة رقماً نهائياً، لأن هامش الخطأ في هذه الدراسة كبير، وهناك
الكثير من الدراسات التي قدرت أرقاماً مغايرة.
معضلة الرقم
الرسمي
منذ زمن طويل،
كان الوصول إلى مصارد المعلومات محلياً مسألة في غاية الصعوبة، بسبب غياب
وتغيب أهمية دور الإعلام، فضلا عن سيطرة الكثير من الأفكار التي يمكن وصفها
بالرجعية بمعناها الضيق، وهذه الأفكار تقوم على مبدأ الخوف من طرح مسائل
المجتمع وأعرافه وعاداته للنقاش العام، مما ولد حاجزاً عند السوريين عموماً
تجاه إبداء الرأي في القضايا الاجتماعية، وهم المحرومون أصلا من إبداء
الرأي في القضايا السياسية االفعلية، فاكتملت المعادلة وصار الاقتراب من
مثل هذه القضايا بالنسبة لرجل الشارع مشوباً بالزيف والتملق ويفتقر
للصراحة، وهذا ما فاقم من مشكلة الرقم الإحصائي. وفي الوقت الذي يمكن
للإعلامي الحصول فيه على بعض الأرقام فإنه يواجه الدخول في متاهة الروتين
والمسموح والممنوع وما إلى هناك من معوقات تعج بها المؤسسات الرسمية التي
يمكن لها أن تقدم خدمة مثل هذه.
لكن الانفتاح
النسبي الذي طرا مؤخراً على توجهات الإحصاء عبر المكتب المركزي للإحصاء
ودخوله في عمليات إحصاء ذات بعد اجتماعي، قلصت الفجوة، لكنها لم تكن كافية،
وحصرت تعاملها بجهات رسمية محددة وهذا ما حرم العديد من الناشطين في العمل
الاجتماعي والحقوقي من الحصول عليها، كونهم لا يمتلكون الشرعية القانونية
التي تمكنهم من الحصول على مثل هذه الأرقام -على قلتها- على اعتبارهم
يعملون في جمعيات غير مرخصة أصلاً.
فجوة
إحصائية
للرقم الإحصائي
الواقعي أهمية بالغة كونه يجعلنا أكثر قدرة على تقييم المشكلة ويقربنا أكثر
من حقيقة الوضع، ويجعلنا أقدر على اتخاذ القرار السليم. لذلك تتزايد الحاجة
اليوم لمؤسسات إحصائية خاصة تخرجنا عن رحمة الرقم الرسمي الذي لا يلبي
متطلبات المسح الاجتماعي والجندري، وتحكمه عقلية التسلسل الإداري. ولعل أحد
ابرز المؤسسات التي دخلت الساحة السورية ونفذت إحصاءات هامة كانت مؤسسة
فافو النرويجية، بالاعتماد على كوادر محلية، وهو ما يشحعنا على المطالبة
بتعميم عمل هذه المؤسسات لسد العوز الكبير في قاعدة البيانات الإحصائية في
المجتمع السوري، والأكثر من هذا هو المطالبة بتأسيس مؤسسات محلية تعمل في
مجال الإحصاء تمنح صلاحيات كافية لممارسة عملها بحرية. عندها فقط يمكننا
الاستغناء عن كلمات مثل تقريباً ونحو وقرابة، لننتقل من التخمين إلى
اليقين.
|