English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


النوع الاجتماعي وتاريخ المرأة الجديد؟

جين شيرون دو هارت- ليندا ك. كيربر

 يتمثل أشد السبل فعالية في احتفاظ الفئات المهيمنة بسلطتها على البشر الذين تهيمن عليهم في حرمانهم من معرفة تاريخهم. وقد أدرك هذا الأمر جيداً الطبيب النفسي (المارتينكي) فرانز فانون، أحد قادة المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين في خمسينات القرن الماضي. ففي كتاب "معذبو الأرض" الذي يهاجم الكولونيالية، يقول فانون أن "الكولونيالية لا يرضيها مجرد إحكام قبضتها على الشعوب. . . . [بل] إنها تحكمهم باستخدام منطق مضلل. فهي تعود إلى ماضي الشعوب المضطهدة فتشوهه وتحرفه وتدمره". وإذ تبخس شعوب المستعمرات قيمة تجربتها التاريخية ورفعة، بل مجد، أفعال شعوبها، فإنها تتشجع على التفكير بأنه لا بديل  لشروط الاضطهاد. "والنتيجة المنشودة بشكل هادف وواع . . . [هي] أن تغرس في رؤوس الشعوب المحلية الأصلية الاعتقاد بأنه إذا رحل المستوطنون، فستغرق هذه الشعوب حالاً في البربرية والانحطاط والهمجية".

وعبر التاريخ، أدركت بعض النسوة هذا الأمر. ففي عام 1404، عندما شرعت كريستين دو بيزان في كتابة أول تاريخ معاصر لحياة النساء العظيمات في الماضي، فسرت لقرائها بأنها تأمل أن تخرجهم "من الجهل الذي يعمي بصيرتهم". ورغم أنهم يعرفون "بشكل مؤكد" من تجربتهم بأن النساء يتحلين بالفضيلة والجلد، فإنهم ميالون إلى "الفلاسفة" الذين يعرّفون النساء ككائنات تافهة. وقد وصفت بيزان معاصراتها "بالنسوة البواسل" اللاتي "نُبِذْنَ" لحرمانهم من معرفة تاريخهن. . . وعرضن كحقل دون سياج يحميه. ودون أن يجدن بطلاً يوفر لهن الدفاع الملائم . . . فأين هي تلك المدينة الحصينة التي تستعصي على الأخذ إن لم تكن هناك مقاومة قائمة؟ فعندما نزود النساء بتاريخهن فكأننا نبني "سوراً راسخ الأساس متين البنيان".

تاريخ النساء كحقل للبحث

ثمة امرأة خيالية في رواية جين أوستن "دير نورثانجر" (1818) تشكو من أنها تقرأ التاريخ قليلاً، "كواجب، بيد أنه لا يقدم لي إلا القليل بحيث لا يزعجني ولا يضجرني. في كل صفحة، شجارات البابوات والملوك، مع حروب وجائحات للطاعون، ورجال لا يصلحون لشيء، ويكاد يخلو من ذكر أية امرأة". وحتى عشر سنوات خلت، كان بمقدور طلاب المدارس الثانوية وكلية التاريخ أن يقرؤوا فهرس النصوص التي تغطي التاريخ الأمريكي ويتوصلوا إلى النتيجة ذاتها.

وفي أمريكا منتصف القرن التاسع عشر، قامت ناشطات في الحقل النسوي، بوعي ذاتي منهن، بتجميع أرشيف تاريخي. فقد عملت إليزابيث كادي ستانتون وسوزان ب. أنتوني، لخشيتهن من أن تحرم النساء من معرفة تاريخهن، ولمعرفتهن بأن نشاطات النساء لا تقدر إلا قليلاً من المؤرخين، ولتنبؤهن بأن الناشطات الرائدات لصالح حقوق المرأة سوف يتوفين قبل أن يتسنى لتجربتهن أن تسجل، عملتا بحماسة على جمع الأدلة حول نشاط الحركة النسائية في زمنهن. ولقد أعدت المجموعة الغنية بالوثائق اللاتي نشرنها (ستة مجلدات ضخمة حملت عنوان: "تاريخ حق المرأة في الاقتراع") كي تكون "مخزناً للحقائق" أمام الأجيال اللاحقة من الناشطات والمؤرخين. إلا أن أكثر المؤرخين تجاهلوها. فمؤلف رالف هنري غابرييل "مسار التفكير الديمقراطي الأمريكي"، وهو نص معياري استخدم على نطاق واسع خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي في مناهج كلية التاريخ، لم يأت على ذكر عمل أية امرأة، ولا حتى العمل الضخم "تاريخ حق المرأة في الاقتراع". وتلاحظ المؤرخة ماري بيرد بشكل لاذع عام 1946، "لو قامت النساء بأي تفكير، فمن الصعب الكشف من هذا البحث ما كان عليه هذا التفكير". وفي عام 1933، حررت هي نفسها مجموعة وثائقية بعنوان "أمريكا بعيون النساء"، بنيت فيها أن الفهم الصحيح للماضي يقتضي أن تحلل التجربة النسائية بالعناية نفسها التي يوليها المؤرخون عادة لتجربة الرجال. ونحن نعتمد في هذا الكتاب منظوراً وأهدافاً كتلك التي اعتمدتها. فنحن نقدم مقالات لا نستمتع فقط بقراءتها وإعادة قراءتها إنما مقالات تمثل بعض أفضل الأعمال التي أنجزت خلال العقود الثلاثة المنصرمة التي برز فيها تاريخ المرأة كميدان للبحث.

وتشير المؤرخة غيردا ليرنر، بعد دراسة الفترة المذكورة، إلى أنه يمكن ترتيب الكتابات حول التاريخ النسائي في أطوار أربعة من النمو؛ كل طور أعقد وأرفع من سابقه، إلا أنها جميعاً نافعة وضرورية. سمّت الطور الأول "تاريخ التعويض" حيث يطوف فيه المؤرخ، مثل ديوجين الذي يحمل مصباحه، ساعياً إلى التعرف على النساء ونشاطاتهن. ففي عقد السبعينات، شرع بعض المؤرخين بالبحث عن النسوة اللاتي يستحق عملهن وتجربتهن أن تكون معروفة على نطاق واسع. وقد امتدت مآثر تلك النساء من فرادة الاستكشاف والتحمل إلى الاكتشافات العلمية والإنجازات الفنية والإصلاحات الإنسانية. وقد ضمت كثيراً من الرائدات مثل اميليا ايرهارت، الملاحة التي قامت بطيران فردي عبر الأطلسي عام 1933، وأثبتت بشكل دراماتيكي شجاعة المرأة وجسارتها؛ وأليس هاملتون، الطبيبة والمصلحة الاجتماعية التي جعلها عملها الإبداعي عن التسمم بالرصاص والسموم الأخرى حجة على مستوى العالم في الأمراض الصناعية وناقدة قوية للصناعة الأمريكية؛ وماريا غيوبيرت-ماير، المتخصصة اللامعة في الفيزياء النظرية التي فازت بجائزة نوبل على بحثها عن بنية الذرة ونواتها؛ وزورا نيل هيرستون، الروائية والمتخصصة في الفولكلور، والتي برعت في المصطلحات الشعبية للأمريكيين من أصل إفريقي، وصورت المرأة السوداء المستقلة. وكانت إحدى نتائج هذا البحث نشر كتاب "نساء أمريكا اللامعات"، في أربعة مجلدات تتضمن سيراً شائقة لحياة 1800 شخصية متميزة.

وكما تشير ليرنر، فإن "المستوى التالي من مفهمة التاريخ النسائي كان تاريخ المساهمة". في هذا الطور، يصف المؤرخون مساهمة النساء في موضوعات وقضايا قدّر لها مسبقاً أنها هامة. اللاعبون الرئيسيون في السرد التاريخي ظلّوا رجالاً، والنساء تابعات "يساعدن" أو "يساهمن" في عمل النشطاء الرجال. وإذا كانت السمة المميزة ل"تاريخ التعويض" هي الاكتشاف الممتع لنسوة غير معروفات سابقاً، فإن نبرة "تاريخ المساهمة" يمكنها أن تكون نبرة تأنيبية غالباً: كيف أمكن ألا يعترف الرجال بمساعدة النساء؟ ومع ذلك، فإن عمل التاريخ المساهم قد يكون هاماً للغاية في ربط النساء مع الحركات الرئيسية في الماضي: نساء هل هاوس "ساهمن" في الإصلاحات التقدمية، والنساء في معامل القطن في لويل، ماسوشتس هن جزء هام من تاريخ تعميم الصناعة في أمريكا. وثمة مؤرخات رائدات في أواخر العشرينات والثلاثينات، ومن بينهن جوليا تشري سبرويل، وماري بيرد وكارولين وير، ألّفن كتباًَ هامة أكدت بشكل قوي مساهمة النساء ومشاركتهن في التطورات الهامة في تاريخ أمريكا: إقامة مستعمرات في المناطق المفتوحة، إلغاء العبودية، تعميم المدن والتصنيع، الشعبية والتقدمية.   

ويمكن القول أن الطور الثالث من تاريخ النساء، الذي تجلى كميدان نشيط للدراسة والبحث في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، تخطى تعداد "مساهمات" النساء وسعى إلى دراسة التعميمات المألوفة وفي إعادة كتابة السرد التاريخي. فالأمور التي حسبنا أننا "نعرفها" تكشّف لنا أنها أكثر تعقيداً مما ظننا. فمثلاً،  تشير معظم كتب الجيب إلى أن المناطق المفتوحة أفادت في توفير فرص للأمريكيين، "بوابة للخلاص من عبودية الماضي". إلا أن الرجال هم الذين سرعان ما وجدوا في المناطق المفتوحة تعويضاً عن عملهم الشاق. أما غالبية النساء فلم يجدن سوى العمل المرهق. (في الواقع، كان من المرجح أن تجد النساء فرصهن الاقتصادية في المدينة أكثر مما يجدنها على الحدود). وأثبتت التعميمات الأخرى أنها هي الأخرى عرضة للشك. فنحن غالباً ما نحسب أن العبيد الأمريكيين كانوا يتلقون طعاماً كافياً على الأقل، إلا أن هذه التعميمات تصح على العبيد الذكور أكثر مما تصح على النساء الحوامل والأمهات المرضعات، فبالنسبة إليهن، فإن طعام العبيد يسبب ما يشبه المجاعة.

ويدفعنا تاريخ النساء الجديد على إعادة تفحص العلاقات الاجتماعية للجنسين، وإعادة بناء الكثير التعميمات التاريخية، وإلى إعادة تشكيل السرد التاريخي.

ويدفعنا تاريخ النساء، أخيراً إلى إدراك أن النوع الاجتماعي (الجندر) هو نفسه بنية اجتماعية. ويطرح المؤرخون على نحو متزايد أسئلة عن كيفية بناء البشر لمعنى تجربتهم التاريخية، وعن الكيفية التي تشتغل بها الفروق بين الجنسين في صياغة بنية المعنى. كما يشير التاريخ النسائي أيضاً إلى فهم أكثر تعقيداً لمقولات التأويل التاريخي التقليدية . فقد استخدم التحقيب الرسمي الإدارات الرئاسية أو الحروب كنقاط علاّم رئيسية في صياغة وصفنا للماضي: الفترة الثورية، عصر جاكسون، الحرب الأهلية، سنوات أيزنهاور. وقد مالت التأويلات الرسمية إلى التشديد على إنجازات الرجال، سواء أكانوا رؤساء أو جنرالات أو مزارعين أو مربي ماشية. إلا أن كل الرجال تعاصرهم نساء، وهن يعشن الظواهر الاجتماعية الكبيرة نفسها التي يعيشها الرجال.

ينقسم هذا الكتاب إلى أربعة أقسام كبيرة مرتبة زمنياً. ولأن التواريخ التي تؤشر إلى نقاط الانعطاف الكبيرة في السرد التاريخي التقليدي لا تتوافق آلياً تلك التواريخ التي تشير على التغيرات الهامة في حياة النساء الأمريكيات، يدفعنا التاريخ النسائي على إعادة تفحص التحقيب الرسمي. وتنسجم أقسامنا بشكل عام مع التحقيب الشائع، فإنها تعكس أيضاً الحقائق المتغيرة في تجربة النساء. والتأريخ الفاصل بين أمريكا التقليدية وأمريكا الصناعية هو عام 1820، حيث كانت قوى ذلك الزمن متحركة، وهذا التحرك من شأنه استنزاف الاقتصاد المحلي للمجتمع الريفي، وتغير ببطء حياة النساء مع الزمن. ولعل فترة تعميم الصناعة التي امتدت طويلاً بعد عام 1820 وجدت نهايتها بشكل ملائم في عام 1880، حيث توطدت بقوة الصناعات الواسعة النطاق والتي استخدمت النساء. وفي ذلك الوقت أيضاً أدرك قادة الحقوق النسائية أن حق التصويت لا يمكن أن تكفله المحاكم على أسس تأويل جديد للدستور، وطالبوا بإصلاح دستوري خاص. وقد انتهت الفترة الرئيسية الثانية في عام 1990، عندما توفرت مقومات التحرر الضرورية، التي تحددها جيردا ليرنر بوصفها "التمدن، وتعميم الصناعة مع التكنولوجيا التي سمحت للمجتمع بأن ينقل إعداد الطعام والعناية بالمرضى من البيوت؛ ومكننة التسخين والغسيل، وانتشار العناية الصحيحة والطبية الكافية لتقليل وفيات الأطفال وحماية الصحة الأموية، وضبط الولادات. . . . وإتاحة التعليم لكافة الأولاد وعلى جميع المستويات". وقد توفرت هذه الشروط بدرجات مختلفة في عام 1995.

ومع ذلك، لا بد أن نلاحظ بأن تعميم التصنيع لم يكن عملية موحدة حدثت في وقت متزامن في جميع الولايات المتحدة. فالمناطق المصنعة في الشرق وفي وسط الغرب الأعلى صاحبتها ظروف المناطق المفتوحة في الغرب، حيث المواجهات هناك بين الإنكليز، وسكان أمريكا الأصليين والأسبان - التي عززت التفاوتات تماماً كما فعل التماس الباكر في الشرق بين المهاجرين الإنكليز والسكان الأصليين والسكان من أصل أفريقي، وهو ما يدفعنا إلى تسمية هذا القسم "المناطق المفتوحة الكثيرة في أمريكا المصنعة". وعلى الرغم من هذه امتدت خلال القرن العشرين، فإن بداية القرن العشرين يشكل نهاية مناسبة لها. وفي النصف الأول من القرن العشرين، سيعاد تشكيل الحياة الأمريكية بواسطة موجات المهاجرين، التمدن المتزايد، والتقدم التكنولوجي المتسارع، والثقافة الاستهلاكية المتنامية. وفي غمار هذه التغيرات، عمل التقدميون في منعطف القرن واللاعبون الجدد خلال الثلاثينات على إعادة تحديد مسؤوليات الحكومة الفيدرالية تجاه مواطنيها، يحثهم في ذلك الأحداث الكبيرة ذات التأثيرات العنيفة والمزلزلة- الكساد الذي شل البلاد والحربان العالميتان. وقد عنوننا هذا القسم "بناء الدولة في أمة مصنعة 1955-1945". كانت النساء في الطليعة في بناء الدولة كما لعبن دوراً حاسماً في النضال من أجل تأسيس الاتحادات، وحماية عائلاتهن في عز الكساد الذي شل بلادهن وسيطرة النازية في أوروبا، وعملن على استمرار خطوط الإنتاج في العمل دعماً للقوات المحاربة في الخارج، وبشكل جزئي ليحقق المواطنة الكاملة لأنفسهن. ومع ذلك، بنظر بعض النساء فإن الحرب التي تشن باسم الحرية لم تفد حريتهن في بلدهن. فقد تكون الدولة أداة للجور، كما اكتشف الأمريكيون من أصل ياباني ذلك إبان الحرب العالمية الثانية، عندما انتزعوا من بيوتهم على الساحل الغربي وأجبروا على الإقامة في معسكرات الاعتقال الداخلية بسبب المخاوف بشأن ولائهم. وعلى الرغم من السياسات الخاصة الخاطئة كما هو حال معسكرات الاعتقال، فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية قوى عظمى حقيقية. وما نكتشفه في هذا القسم الثالث هو كيف يسمح لنا منظور التاريخ النسائي بإعادة تفحص البنى التي يهيمن عليها الذكور كالدولة، وامتلاك رؤى جديدة في الدور الذي لعبته النساء في تكوينها. كما سنرى مجدداً كيف أثارت نظرات النسوة الملونات وجماعتهن الشك حول المفاهيم القديمة بشأن المواطنة وبشأن الأمة كوحدة عضوية.

لقد هيمنت على عقود النصف الثاني من القرن العشرين الحرب الباردة وثورة الحقوق والولادة الجديدة للنزعة المحافظة. أما القسم الرابع فيأتي قسماً منفصلاً يحمل عنوان "نضالات ضد الظلم، 1945-2000". وعلى الرغم من أن هذا النضالات اشتملت على الظلم العرقي، والحقوق المدنية، وحقوق الرفاهية وحقوق العمال وحقوق النساء (بما فيها الحقوق الإنجابية)،  وسيطرة سباق التسلح النووي داخل الولايات المتحدة، فإنه لا يمكن فصلها عما سيطر على المسرح الدولي. وبالنسبة لتلك النسوة الملتزمات، فإن الانغماس في الحياة السياسية والمساهمة في بناء الحركة بلغ ذرى جديدة خلال هذه الفترة. وقد ولدت الحركة حركات مضادة فوجدت النسوة المؤيدات لإباحة الإجهاض أنفسهن بمواجهة نسوة معارضات لهذه الإباحة.

وأياً يكن تحقيب التجربة التاريخية، فإن النساء يتشاطرن هذه التجربة. فتاريخ تعميم الصناعة، مثلاً، هو التاريخ الذي اشتمل على العاملات الإناث بالقدر نفسه الذي اشتمل على العمال الذكور. وقد اعتمدت العملات النساء، مثلهن في ذلك مثل نظرائهن الذكور، على أجورهن لإعالة أنفسهن وإعالة أسرهن. وفي أول مصنع (مصنع النسيج الأول لصموئيل سليتر في بوتكت، رود ايلاند، عام 1790- كان عدد النسوة والأولاد يفوق عدد الرجال بشكل فعلي. وباستخدامهم المكثف في الصناعة في القرن التاسع عشر، عملهن في مجالات متنوعة بشكل كبير كالعمل في تجليد الكتب والطباعة وصناعة الأحذية وخياطة الثياب والغسيل وصناعة الزجاج والأزرّة. وعملن في القرن العشرين في أحواض السفن ومصانع الطائرات ومصانع الآليات التي قدمت التجهيزات العسكرية الضرورية لانتصار الحلفاء في الحربين العالمتين.

وكانت النساء في طليعة احتجاج الطبقة العاملة. فالنسوة الحائكات في بوتكت، رود آيلاند ، اللاتي فصلن من العمل عام 1820 كن من أوائل العمال الأمريكيين الذين أضربوا احتجاجاً على تدني الأجور وساعات العمل الطويلة؛ عدد هام من الاضطرابات نفذتها النسوة العاملات تلتها في الثلاثينات ذلك القرن. وكانت النساء في مصانع النسيج في لويل، ماساشوتس، عام 1840 العمال الصناعيين الأوائل في الأمة اللاتي طالبن بتنظيم الدولة لتحديد مدة العمل اليومية. وفي القرن العشرين، فإن الإضرابات الواسعة النطاق التي نظمها عمال المناجم والسكك الحديدية رافقتها اضرابات واسعة النطاق نظمتها النساء في معامل النسيج ومصانع الثياب.

وعلى نحو مماثل، فإن العمال الأرقاء- الأفارقة بشكل أساسي إنما الهنود أيضاً في القرون الباكرة- كانوا نساء قدر ما كانوا رجال. وكان على العاملات من الرقيق أن يكن في الحقول، يكدحن إلى جانب الرجال، ويقمن بالأعمال نفسها.

اختلاف التجربة التاريخية بين النساء والرجال

إن التجربة التاريخية للجنسين، رغم كل التشابهات تختلف بعمق في كثير من المناحي الهامة. والاختلاف ذاته مصطلح مقارن. وكما كتبت الباحثة القانونية مارتامينو، "لست أختلف عنك بأكثر مما تختلف عني". فالشخص القصير مختلف فقط نسبة للشخص الطويل". وعلى الرغم من صياغة الفروقات تساعد البشر ليتعاملوا بنجاح مع التعقيدات، فإن وصف الاختلافات والفروقات يحمل عادة في طياته أحكاماً غير معلنة حول القيمة والترتيب الاجتماعي. وكما تصيغ مينو الأمر "تقارن النساء حسب معيار غير معلن للرجال، الأعراق "القاصرة" تقارن بالعرق الأبيض، والمعاقون بأقوياء البنية، وأديان "الأقلية" بأديان الأكثرية. وبالتالي فإن مصطلح الاختلاف ليس مصطلحاً محايداً.

والفروقات بين النساء كثيرة أيضاً. وفروقات الثقافة والقومية والذاكرة التاريخية يفاقمها التمييز العرقي والطبقي و الإثني والتفضيل الجنسي. ولأن النساء ميالات للعيش مع الرجال- أزواجاً وآباء وأبناء- الذين يشاطرونهن هويتهن العرقية والطبقة والإثنية، فغالباً ما تحجب المشتركات مع النساء اللاتي لا يتشاطرن تلك الهوية. ولأن كل من هذه الفروقات تحمل في طياتها مضامين عن الترتيب الاجتماعي، فقد تزداد الشقة فيما بينهن. فالنسوة الثريات قد يشعرن بالاستعلاء إزاء النسوة الفقيرات، وقد تشعر النساء البيض بالعدائية تجاه السوداوات؛ وقد تشعر النساء الأمريكيات من أصل آسيوي بأنهن يشتركن بالقليل مع النساء من أصل أسباني.

والنساء من أصل أسباني، اللاتي يحددن غالباً كمجموعة إثنية واحدة، هن في الحقيقة من قوميات متعددة من بورتوريكو، كوبا، المكسيك، البرازيل- كي لا نعدد أكثر. علاوة على ذلك، فإن معظمهن يتحدرن من هنود أمريكا الوسطى ويتشاطرن مع هنود أمريكا الشمالية المجموعة الجينية الوراثية. لقد تعلمن اللغة الأسبانية- ومن هنا فقط اسمهن الأسبانيات لأن بلادهن الأصلية فتحها الأسبان . وتختلف النسوة  "الأسبانيات" عن بعضهن بعضاً ليس فقط من الناحية الإثنية بل في الناحية الطبقية أيضاً.

والنساء الثريات اللاتي يشكلن جزءاً من الجماعة المحلية الكوبية في ميامي قد يشعرن بأنهن يشتركن بالقليل مع العاملات الزراعيات المهاجرات من المكسيك. وللسبب نفسه، فإن النسوة الأمريكيات من الأصل الآسيوي اللاتي قدمن من بلادٍ كالصين أو اليابان أو الفلبين أو كوريا أو تايلاند أو فيتنام تفصل بينهن الإرث المختلف، واللغات المتنوعة والمورد الاقتصادي المتباينة. وكذلك حال النسوة البيض اللاتي يفصلن بينهن الخلفيات الإثنية المتعددة وانتماءاتهن الدينية ومواقعهن الطبقية.

تمثل الفروق في التفضيل الجنسي لدى النساء عاملاً إضافياً للانقسام بينهن، إذ يسم السحاقيات بالعار ويحجب الخصائص التي يتشاطرنها مع النساء اللاتي ينجذبن للجنس الآخر. وحتى هاته الأخيرات اللاتي يرفضن الأنماط السلبية للجنسية المثلية قد ينظرن إلى نظيراتهن السحاقيات بشكل متناقض. والنسوة القادرات على التسامح مع العلاقات بين الجنس نفسه مادمنّ متواريات بشكل حذر غالباً ما يكن قلقات من الكشف العلني للانجذاب الجنسي المثلي وينأين بأنفسهن عن النساء المعنيات. والسحاقيات اللاتي يناضلن لنيل شرعيتهن ونمط حياتهن الذي يسمح لهن بالتعبير عن حبهن وعاطفتهن وميلهن الجنسي نحو الجنس نفسه ليسن أقل اغتراباً عن تلك النسوة اللاتي يشكل ضيقهن مقياساً لتماهيهنّ مع النظام الذي يسمهن بالعار ويضطهد النسوة الأخريات.

ولئن كانت العوامل التي تتشارك بها النساء مع الرجال وتفصلهن عن النساء الأخريات قوية وثابتة، فإنه ينبغي ألا يعمينا عن التفارق الأساس في التجربة التاريخية لكل من الرجال والنساء. ففروقات النوع الاجتماعي في دورات الحياة والتجارب الأسرية تشكل عاملاً مركزياً في ذلك التفارق. وتبين أنماط استخدام النساء البيض في معمل النسيج الضخم في نيوانغلاند هذا الأمر بجلاء. فبوصفهن شابات عزباوات في منعطف القرن، ذهبن إلى المصنع ليدعمن دخل العائلة، غالباً ليسمحن لأخواتهن بأن يحسنوا مستقبل أعمالهم بمواصلة دراستهم؛ وبوصفهن زوجات انسحبن من العمل عندما أنجبن أطفالاً وعُدن إليه كأمهات لأطفال صغار عندما تطلب وضع الأسرة المالي الخطر أن يقمن بذلك. وعندما ترعرع أطفالهن عُدن إلى بيوتهن. وهكذا فإن مسؤوليات الأسرة كانت عاملاً حاسماً ليس فقط في تحديد أية مرحلة من دورة حياتهن يكون توظيف النساء مجزياً بل أيضاً في تفسير لم تختلف أنماط توظيفهن عن أنماط توظيف العمال الذكور.

وحالما تنضم النساء إلى القوة العاملة، فإن الأعمال المخصصة للنساء، والأجور التي تدفع لهن، والفرص التي توجهن في الانضمام للاتحادات، والعلاقات اللاتي يصفنها مع التشريعات الحكومية. جميعها تعزز الفروق الأساسية بين الجنسين. وحتى عندما يدخل الرجل والمرأة المعمل معاً بمهارات متشابهة، فإن الإدارة تحدد لهما مهام مختلفة وبأجور متباينة على نحو جلي. ورغم الأجور المختلفة، التي كان ينبغي لها أن تجعلهن منتسبات ناضجات إلى النقابات، فإن معظم هذه الاتحادات تأنف من تنظيم العاملات الإناث. ويعود سبب ذلك جزئياً إلى افتقار النساء للرافعة الفعالة التي تمنحها الاتحادات للعمال الذكور المهرة، وإلى أن حكومة الولاية والحكومة الفيدرالية وافقتا قسراً على تنظيم ساعات عمل المرأة وأجورهن وشروط عملهن بزمن طويل قبل أن تنظمها للرجال.

معظم الناس، ذكوراً وإناثاً، ولاسيما إن كانوا بيض من الطبقة المتوسطة، يدركون الفرق بوصفه مزيّة. فهم يعتقدون أن النساء أعفين من الأعمال الشاقة ومن ضغوط المنافسة الشرسة. ولأن الزوجات والبنات معفيات من المسؤولية الأولية في إعالة الأسرة، يمكن أن يقضين شبابهن في البيت بدلاً أن يقضينه وسط القوى العاملة، مكرسات وقتهن للمهام المبهجة كالعناية بالأطفال، والقيام بالأعمال الخيرية، ومخالطة الأصدقاء. أما أولئك الذين يعملون خارج البيت فيعتبرون أنهم يعملون ليوفروا "قليلاً من النقود" بمقدورهم استخدامها لإشباع نزواتهم كمستهلكين.

بينت الأبحاث الحديثة بجلاء أن معظم هذه "المزايا" كانت خاصة بطبقة معينة ووهمية. فقد تميز عمل النساء بأنه عمل مرهق ينفّذ في ظروف خطرة. ولم تكن مسؤولية إعالة أفراد العائلة الآخرين وقف على الرجال، ولاسيما في أوساط الطبقة العاملة. وتعطي النسوة غير المتزوجات أجورهن لآبائهن الذين يعتمدون عليهن في تأمين أساسيات الحياة. ومعظم النساء الراشدات- سواء كن عزباوات أو أرامل أو زوجات- يعملن بغية إطعام وإيواء أنفسهن وأطفالهن وأفراد آخرين من أسرهن. ونادراً ما كان إنفاقهن للمال إشباعاً لنزواتهن؛ والواقع أنهن قبلن أجوراً متدنية في أعمال غير مشمولة بالنقابات لأنهن كن بحاجة ماسة على الأغلب.

والتصور بأن المنزل حمى ربات البيوت من الطبقة العاملة من ضغوط المنافسة في سوق العمل وحمى جميع ربات البيوت من العمل الحقيقي هو أيضاً تصور وهي. فلطالما كان المنزل ملاذاً ليس أفضل من مكان العمل بكثير. ففيه العمل المنزلي- عمل جسدي مرهق وكدح متواصل- عمل ليس أقل مشقة رغم الإنكار بأنه ليس عملاً مطلقاً لأنه ينجز حباً بالأسرة لا طلباً للأجر. وحتى ربة البيت من الطبقة المتوسطة التي تمتعت برفاهية حياة المدن في القرن التاسع عشر وربما لديها خادمة تساعدها في الغسل والطهي، جاهدن في القيام بطائفة مرهقة من المهام كالغسيل وتنشيف الثياب وكويها وتخزينها وترتيبها، وتنظيف وكنس الأرضيات والجدران والنوافذ والأثاث والملحقات المغبّرة، إعداد الطعام، وإعداد المخلّلات، وحفظه وخبز الأغذية؛ وخياطة ورفو وحياكة الملابس والمناشف وأغطية الوسائد واللحف والستائر والسجاد والشراشف؛ وإنجاب الأطفال وإرضاعهم ورعايتهم وتعلميهم وتهذيبهم. وكما تقول إحدى ربات البيوت في مرحلة ما قبل الحرب، كل يوم هو "أسرع، أسرع،  أسرع، امض، امض، امض". أما بالنسبة للنساء الريفيات فقد كان عبء العمل أشد وطأة. فهناك العمل اليومي في المزرعة الذي ينبغي القيام به والمواد الأولية التي ينبغي إنتاجها كالصابون والملابس بالإضافة إلى أعمال المنزل. وقد كانت النسوة السود خلال معظم القرن التاسع عشر رهن العبودية، وبعد الحرب الأهلية عاش معظمهن في عائلات تحاصص في المحاصيل قلما كان مستوى عيشها أعلى من مستوى العبودية ومشقة العمل الجسدي تكاد تشابهه، مع أن الظروف النفسية كانت أفضل بشكل عام. وقد تحدثت فتاة من فتيات القرن العشرين، نيابة عن الملايين من جيل أمها وهي تتذكر عبء عملهن عندما قالت بحزن أن أمها قد سرقت منها "صحتها وقوتها وحياتها". وفي بعض المناحي لم يتغير الأمر كثيراً. ففي ثمانينات القرن العشرين، قالت امرأة مزارعة من أيوا الشمالية في مقابلة معها، "إنني أزرع الحديقة، وأطعم الدجاج وأبيع البيض، وأرتب خضار الموسم، ليس لدي وقت للعمل".

ومع أن التكنولوجيا القرن العشرين خففت عبء العمل الجسدي الشاق، ما تزال معادلة تدبير المنزل مع توفير فائض من الوقت الفارغ وهماً تغذيه الصناعة الإعلامية. فمنذ إدخال الغسالة الكهربائية في عشرينات القرن الماضي- "يوم كامل جديد سيضاف إلى أيام أسبوعك"- إلى غسالة الأطباق، والأفران، وأفران المايكرويف  في التسعينات، تلك التي تعمل "سواء كنت في لبيت أم لم تكن "، فإن وعود الخلاص من العمل المرهق بشراء المنتجات الجديدة رافقها توقعات جديدة تستلزم مزيداً من العمل. فالغسيل- وقد بات منه الكثير- صار ينبغي أن يغسل مراراً؛ ويتطلب الطبخ مزيداً من الإبداعية؛ وارتداء الملابس يستلزم إنفاق ساعات في التسوق، وتشتمل العناية بالطفل على زجاجات معقمة على نحو خاص، ومواعيد إرضاع منظمة، ومزيد من الانتباه للتدريب على استخدام المرحاض، والانتباه للتغذية والصحة العامة واللعب المراقب على نحو خاص. ولئن تغيرت طبيعة العمل المنزلي، فإن زمن أدائه لم يتغير. ففي عام 1960، كانت المرأة الحضرية غير الموظفة تنفق 55 ساعة أسبوعياً في العمل المنزلي، أي أكثر بثلاث ساعات من عمل ربات البيوت الريفيات في العشرينات. والتوظيف الكامل للنساء في ثمانينات القرن الماضي أضاف كل أسبوع 25 ساعة إضافية من العمل (العمل المنزلي في الأمسيات وعطل نهاية الأسبوع). ورغم وجود أدلة تشير إلى أن الشباب قد يقومون بالمزيد من العمل المنزلي، فإن التفاوت بين النوعين الاجتماعيين بشأن هذا العمل يرجح له أن يستمر بقوة في القرن الحادي والعشرين.

وإذا كانت النساء قلما وجدن البيت الذي يشكل مركزاً هادئاً للراحة الموصوف في الأدب الشعبي، فإنهن وجدن مشقة مماثلة في أن يعثرن فيه على "الملاذ" (المشهور) من ضغوط المنافسة في عالم "لا قلب له". ولطالما أدركنا بأن للانكماش الحاد في السوق تأثير اقتصادي ونفسي كبيرين على حياة الأسرة. فمثلاً، خلال الكساد الهائل في الثلاثينات، أقحمت الكثير من ربات البيوت في القوى العاملة، إذ انضمت إلى الأرتال الطويلة من الرجال الباحثين بيأس عن عمل. أخريات رفضن أن يجلسن متفرجات بينما تنقص أسرهن ضروريات الحياة الأساسية، ففتحن بيوتهن كمطاعم منزلية واستخدمن مهارتهن في الخياطة في الشغل بالقطعة- وهذه إجراءات استخدمتها زوجات العمال منذ زمن طويل لتحسين دخل أسرهن حتى في فترات الازدهار. وباللجوء إلى الاقتصادي المنزلي الذي شاركت فيه الجدات فإن نساء الطبقة الوسطى والطبقة العاملة على حد سواء جمعن  الخضار وعلبنها وقمن بترقيع الثياب وإصلاحها وإعادة تجديدها بغية إبقاء النفقات المدفوعة في حد الأدنى.

والأمر الذي بدأ المؤرخون لتوهم في تقديره هو المدى الذي أفادت فيه هذه المشاريع وهذا التوفير في الإنفاق في أوقات أكثر ازدهاراً ليس الاقتصاد المنزلي فحسب بل الاقتصاد الوطني أيضاً. فبمساعدتهن لأزواجهن في المحال التجارية، وبيع البضائع غير المغلفة، والعمل بالقطعة، وتعهد الغسيل، والبيع في الشوارع، والبحث عن الطعام والوقود، فإن ربات البيوت من الطبقة العاملة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تمكنّ من نقل أجور أزواجهن من مستوى ما تحت خط الكفاف إلى أجور تكفل العيش. وبسبب هذه الجهود، فإن الأعمال التي توظف هؤلاء الأزواج كانت قادرة على البقاء (مكتفية ذاتياً) في اقتصاد متقلب ذي رأسمال قليل. وفي أوساط الطبقة الوسطى الناشئة حيث دخل الزوج كافٍ للبقاء، فالفضل لعمل الزوجة التي قدمت على نحو متواتر نوعاً من المدخرات والاستثمارات التي حمت الأسرة من تقلبات السوق وأمدت النمو الاقتصادي في أمة في طور التصنيع, وباختصار، حتى القرن العشرين، فإن الحدود بين البيت والسوق، الفضاء المحلي والفضاء العام، كانت أشد نفوذية مما افترضناه ذات مرة.

النوع الاجتماعي كبنية اجتماعية

إن الافتراضات الاقتصادية السلبية بالنسبة للنساء المرتبطة مع التصور القديم بأن العمل المنزلي ليس عملاً حقيقياً تشير إلى أن الاختلاف يعني النقيصة في هذه الحالة، كما في حالات أخرى كثيرة. ولم يوثق مؤرخو النساء هذه القضية فحسب، بل سعوا إلى تفسيرها. والعوامل التي أدرجوها في تفسيرهم معقدة جداً ولم تزل غير مفهومة بشكل كامل. والتفسير المقدم بشكل تقليدي يقوم على اختلاف التكوين البيولوجي. وكما صاغ قاضي المحكمة العليا ديفيد بروير الأمر في عام 1958، "يختلف الجنسان في بنية الجسد، وفي الوظائف التي على كل منهما تأديتها، وفي مقدار القوة الجسدية، وفي المقدرة على مواصلة العمل المديد. . . ، وفي الاعتماد على الذات التي تمكن المرء من الدفاع عن حقوقه كاملة، وفي المقدرة على مواصلة الصراع من أجل البقاء. ويواصل قائلاً: "والبنية الجسدية للنساء وقيامهن بمهام الأمومة، يضعهن في موقف غير مؤاتٍ في هذا الصراع ويبرر للقانون حمايتهن".

يكشف قول القاضي بروير خلطاً عاماً بين الجنس والنوع الاجتماعي (الجندر). وبقدر ما تستند نظرته عن الفرق إلى الملامح التشريحية والهرمونية التي تميز الذكور عن الإناث بيولوجياً، فإنه يتحدث عن الفروقات الجنسية. ومع ذلك ، عندما يتكلم عن "الاعتماد على الذات الذي يمكن . . . الرجال من الدفاع عن حقوقهم كاملة"، "وقدرة الرجال على مواصلة الصراع من أجل البقاء" و"قيام النساء بمهام الأمومة"، فإنه يشير إلى الفروقات بين النوعين الاجتماعيين. والافتراض بأن الرجال يعتمدون على أنفسهم أما النساء فلا، وأن الرجال دون النساء يصارعون من أجل البقاء، وأن النساء يرضعن أطفالهن أما الرجال فلا، هذا الافتراض يعكس الطريقة التي فهم بها القاضي بروير وكثير من أبناء جيله نتائج أن يكون المرء ذكراً أو أنثى.

ففي أمريكا ما قبل الحرب، مثلاً، فإن الذكور البيض الجنوبيين، سواء كانوا أعضاء في طبقة المزارعين في الأقاليم المنخفضة أم طبقة العمال في الأقاليم البعيدة، كانوا يماثلون بين الرجولة ومفهوم الشرف الشخصي، الذي يتبارزون من أجله ويتبادلون اللكمات. وفي مدن الشمال، يشاطر كثير من شباب الطبقة العاملة الذكور هاجس نظرائهم الجنوبيين في الميل إلى القتال الجسدي والبراعة فيه. وهكذا فإن المرادف هو الرجولة والفظاظة بالنسبة لذكور نيويورك المعروفين باسم "الفتيان الكدعان" ومتى حضر أحدهم إلى المسرح، فإنه يعرف على الفور بمشيته المتبخترة وشخصيته العدوانية. وعلى الرغم من أن فريدريك دوغلاس الأسود المناصر لإلغاء الرق ما كان يرتاح للعدوانية المفرطة والرجولة المتباهية التي يبديها "الكدعان" كعلاقة على رجولة الطبقة العاملة، فإن المطابقة بين القوة والسلطة والرجولة كان تصوراً يعيه بشكل جيد. ففي رواية "حياة فريدريك دوغلاس" (1845)، وهي وصف لسيرة حياة دوغلاس كعبد فرّ إلى الحرية، يصدر المؤلف وصفه لصراعه الضاري مع (عصابة تكسير العبيد الفاسدة) بجملة وحيدة: "لقد رأيتم كيف صار الرجل عبداً، وسترون كيف يصير العبد رجلاً".

لم تحدد كل الفئات الاجتماعات الرجولة على هذا النحو، حتى في أمريكا ما قبل الحرب الأهلية. ومع أن العدوانية والاعتماد على الذات وحب المنافسة تربى عليها معظم الأولاد لأنها صفات ضرورية في عالم عمل الذكور الراشدين، فقد شددت الأسر التي شكلت البروتستانتية الإنجيلية قيمتها على أن الرجولة تعني أيضاً ضبط النفس، وضبط الذات أخلاقياً، والوقار. وقد صارت هذه الصفات أكثر أهمية في ثقافة البرجوازية المدينية الجديدة في أواخر القرن التاسع عشر. وقد تطلبت الرأسمالية البيروقراطية من الطبقة الوسطى نموذجاً من الرجولة مغاير عن الرجولة الفظة "الذكورية" النموذجية التي تميز المناطق المفتوحة. فالرجل "الحقيقي"، مع أنه يجسد الرجولة ويسلك سلوكاً خشناً عند الضرورية، ينبغي أن يكون أيضاً "لاعباً في فريق"- وهي صفة مغروسة في ألعاب الفتيان ورياضة الفرق. وفي الواقع، فإن الرياضات التنافسية والقوة والرجولة تواشجت بقوة في القرن العشرين. . . حتى أن الفتى أو الرجل الذي يكره الرياضات التنافسية أو الوضعيات الرجولية القوية لا خيار لديه إلا التظاهر بالسلوك والاهتمامات الرجولية وأن يأمل ألا ينكشف تظاهره هذا. أما أن يتصرف بخلاف ذلك فإن يخاطر بأن يدعى "مخنث" أو "شاذ". وتعكس هذه التسميات الافتراضات الشعبية بأن الرجل "الحقيقي" هو رجل رياضي وأن غير الرياضي، سواء كان منجذباً للجنس الآخر أو لا، هو ذكر يتمنى علاقات جنسية مع الذكور فقط، أو أنه مخصي، و/أو يرغب أن يكون امرأة. بكلام آخر يشير الجنس إلى فروقات بيولوجية غير قابلة للتغير؛ أما النوع الاجتماعي (الجندر) فهو يتضمن المعنى الذي يضفيه مجتمع وثقافة معينان على هذه الفروقات الجنسية. ولأن المعنى يتغير في سياق الزمن وما بين الثقافات، فإن فروقات النوع الاجتماعي مبنية اجتماعياً وخاضعة للتغير على حد سواء. وتعريف ما هي الرجولة والأنوثة يتم تعلمها حسبما يعلم كل مجتمع أفراده من الطفولة إلى سن الرشد أي السلوك وأي الصفات الشخصية الملائمة لذكور وإناث ذلك الجيل.

والجنسانية مبنية اجتماعياً أيضاً. فالخصائص التشريحية والهرمونية تقيم حدوداً معينة نتصرف ضمنها. وتزودنا المدونة المعدة اجتماعياً بإيحاءات عن كيفية استجابتنا جنسياً ضمن هذه الحدود- ما الذي يثير شهوتنا ومن. وما تزال مسألة كيف نحدد أو نختار أولاً ميلناً وانجذابنا الجنسي- ومتى- مسألة لم يفهمها المختصون تماماً. إلا أن الثقافة تفعل فعلها هنا أيضاً. وتكتب المؤرخة كارول سميث- روزنبرغ، " من المفيد رؤية الدوافع الجنسية والعاطفية كجزء من متصل أو طيف. . . على أحد طرفي هذا المتصل تقع ممارسة الجنسانية المغايرة، وعلى طرفها الآخر تقع الجنسانية المثلية العنيدة، وبينهما نطاق واسع من المشاعر العاطفية والجنسية". وأين نضع أنفسنا على ذلك المتصل وإن كنا نتحرك ضمنه هي مسألة تتأثر بالمعايير الثقافية إضافة إلى المكونات البيولوجية القوية.

وللجنسانية تاريخها. فمفاهيم الجنسانية، والمواقف من الكيفية الواجب إتباعها في التعبير عن المشاعر الجنسية، ومع من ومتى خضعت إلى إعادة صياغة مستمرة من قبل الطبيعة المتغيرة لكل من الاقتصاد والسياسة. ففي القرن السابع عشر، مثلاً، أعتقد أن النساء أكثر شهوانية وحسية من الرجال. واعتبرت الجنسانية المؤنثة مصدر قوة وفساد ينبغي الخوف منها وضبطها. وفي القرن التاسع عشر، حينما بات من الواجب تذويت القيود الجنسية، فقد أعيد تعريف الجنسانية وتحديدها. واعتبرت النساء- أقله النساء البيض من الطبقة الوسطى والعليا، بنات البلد- ذوات شهوة جنسية أضعف من الرجال. وألصقت الشهوانية بالنسوة الفقيرات أو "الأكثر سواداً"- اللاتي، بطبيعتهن "يدعون" الذكور للاندفاع إليهن.

وبما أننا شرعنا في كشف تاريخ الجنسانية، بمقدورنا أن نفهم بشكل أفضل أي دور قامت به الجنسانية في خضوع النساء. وبوسعنا أن نفهم كيف حاولت النساء ابتكار طرائق تعزز من الضبط الجنسي والتعبير عنه. ففي القرن التاسع عشر، مثلاً، اعتمدت بعض النسوة المتزوجات مفهوم النساء ككائنات خالية من العاطفة لينقصن عدد مرات الوصال الجنسي بغية إنقاص إمكانية الحمل وزيادة المتعة الجنسية. والنساء اللاتي رغبن بالتعبير عن أنفسهن جنسياً وعاطفياً في علاقات أحادية الجنس بنين نمط حياتهن بشكل اكتشفن معه عوالم جديدة من الحرية. وفي الواقع، بدأنا لتونا في فهم السبل التي حافظت فيها هذه العلاقات الخاصة على الفاعلية العامة لنساء مثل جين أدامز أو ليليان والد.

وكما هو حال النوع الاجتماعي والجنسانية، فإن العرق أيضاً هو بنية اجتماعية رغم أننا اعتقدنا لزمن طويل أنه صياغة بيولوجية لا جدال فيها. وفي الواقع، لم تأخذ فكرة العرق صياغتها المفهومية الكاملة بالطريقة التي نفهمها إلا مع مجيء القرن التاسع عشر: الكائنات البشرية ترتبط أو تنفصل عن كائنات بشرية أخرى بفضل خصائص جسدية يفترض أنها وراثية، مثل صباغ الجلد، ونسيج الشعر، والتناسب، وبنية الوجه، وما إلى ذلك. وفي الحقيقة، مع ذلك، ليس هناك خصائص وراثية يمتلكها جميع السود إلا ويمتلكها غير السود، وعلى نحو مشابه، وليس هناك جينة أو جمع من الجينات يمتلكها البيض إلا ويمتلكها غير البيض. فالقانون والعرف هي المحددات الحاسمة في كيفية تصنيف الأفراد عرقياً. ففي فيرجينيا الكولونيالية، مثلاً، يصنف الطفل المولود من أم سوداء وأب أبيض على أنه أسود. وفي أعقاب الثورة الأمريكية، تغير التعريف القانوني بحيث بات يعتبر أسود كل من كان أحد آبائه أو أجداده أسود؛ وكل من لديه أقل من الربع فهو أبيض. أما في الممارسة، فوجود قريب بعيد أسود في شجرة عائلة المرء ينجم عنه اعتباره"أسود" بالتصنيف. وفي عام 1910، تغير القانون في فيرجينيا فصار أسود من لديه قريب أسود في فروعه الستة عشر. وبعد مضي عشرين عاماً، تبنت الولاية قانون "القطرة الواحدة" الشهير، الذي يعتبر الأسود هو من يحمل قطرة دم أفريقية واحدة في جسده، مهما تكن طريقة تحديد ذلك.

وقد خضع الأمريكيون من أصل مكسيكي أيضاً للتصنيفات المتغيرة. ففي مطلع القرن التاسع عشر، كان المصطلح يشير إلى القومية لا إلى العرق. فالذين يعيشون في المكسيك قد يكونون بيض أو من الأمريكيين الأصليين أو السود أو الآسيويين. وحالما غدت الأرض لتي تنتمي أصلاً إلى المكسيك جزءاً من الجنوب الغربي للولايات المتحدة. أمسى "المكسيكيون" مجموعة عرقية. وفي عام 1855، عرفت الهيئة التشريعية في كاليفورنيا المكسيكيين كشعب تجري في عروقهم الدماء الأسبانية والهندية. وبعد تسميتهم "الذرية المختلطة" اعتبروا شعباً خمولاً جباناً- عرقاً "هجيناً" دونياًً. ومع ذلك فقد حددت المحكمة العليا، في القرن العشرين، الأمريكيين من أصل مكسيكي بأنهم "بيض".

وتوضح حالة البشر القادمين من الهند إلى أي حد يمكن أن يغدو التصنيف العرقي اعتباطياً ومشوشاً. فهم يصنفون بشكل موحد كشعب قوقازي من قبل الانثربولوجيين، وهو ما كان ينبغي أن يكسبهم تحديد "بيض"، إلا أن الكثير منهم ذو بشرة داكنة وبالتالي فهم بنظر الجمهور الأمريكي "ليسوا بيض". وفي قرار المحكمة العليا لعام 1922 (الولايات المتحدة ف. ثيند)، فإن القضاة، الذين استنتجوا أن "الأمريكي الأبيض العادي المتعلم جيداً سيعلم بدرجة معنية من الدهشة أن العرق الذي ينتمي إليه هذا الشخص مكوّن من كثير من العناصر المتغايرة"، توصلوا إلى أن المعرفة العامة هي التي فازت لا العلم. والمدعي في هذه القضية، بهاغات سينغ ثيند، ليس "أبيض" كما يدعي. فإن يكون مفهوماً لا أهمية علمية له قد فهم بطرق مختلفة جداً ولا عقلانية غالباً يحوز على مثل هذه القوة كمصدر للمعنى والهوية والميزة والنقص لهو أمر يذكرنا كم تؤثر البنى الاجتماعية بقوة في كيفية صياغتنا وفهمنا لعالمنا الاجتماعي.

والطبقة أيضاً مقولة أخرى مبنية اجتماعياً. فالفروقات في الثروة والملكية تحولت إلى طبقة بفضل مجموعة من الممارسات المؤسسية التي سمحت لنخبة مالكة صغيرة بالاحتفاظ بالملكية ضمن تلك المجموعة. ومثلاً، فإن ممارسة حصر الزواج بأناس من ضمن المجموعة المالكة نفسها يؤكد استبقاء الثروة ضمن تلك المجموعة. والزيجات المرتبة تخدم هذه الوظيفة، كما يخدمها تذويب المحددات الثقافية حول من يمكن أن الشريك المناسب. خذ مثال إليزا لوكس التي أدارت في سن السابعة عشر من عمرها مستعمرة أبيها ساوث كارولينا بينما كان يخدم كحكام ملكي في أنتيغوا، الجزيرة الصغيرة في الكاريبي. فبعد رفضها لأول إثنين من طالبيها للزواج اختارهما والدها، حسمت أمرها بشأن من تتزوج. فاختارت المزارع الثري تشارلز بيكني- وهو خيار ينسجم مع الاستراتيجية الزواجية لطبقتها.

إن قوانين تمازج الأجناس التي تحرم  الزواج بين الأعراق،  وبالتالي نقل الملكية إلى الورثة من ذوي "الدماء المختلطة" كانت وسيلة تهدف إلى حماية ملكية جماعة عرقية معينة. وقد كان التداخل مابين الطبقة والعرق جلياً في الجنوب حيث حدثت في العقود التالية للحرب الأهلية إعدامات من غير محاكمة وأشكال أخرى من الإرهاب الموجه نحو الرجال السود الذين أفلحوا في تأمين درجة معينة من الاستقلال الاقتصادي. ومتى تقاطع العرق مع الطبقة، كما هو حال تلك النسوة السود اللاتي يمتلكن موارد مالية لشراء تذاكر تخولهن الجلوس في مقصورة "السيدات" في القطار فإن العرق يتفوق على الطبقة. وقد عانت سيدات مثل إيدا باروت وشارلوت هويغنز براون من إذلال كونهن معزولات جسدياً- وهو أمر يذكرنا كيف يمكن للعزل المكاني أن يعزز التمييزات الاجتماعية. ومن جهة أخرى، يمكن للطبقة أن تتفوق على العرق بالنسبة لنساء الطبقة العليا الأمريكيات من أصل مكسيكي. فعندما يجلب الزواج معه ملكية معتبرة، فإن الخاطبين الإنكليز التواقين إلى تعزيز مكانتهم الطبقية، يمكنهم أن يقتنعوا بسهولة أن المرأة الشابة هي من أصول أسبانية "صافية". وتوضح ممارسات كهذه معنى عبارة "تبييض الأموال".

وفهمنا كيف تتفاعل الفوارق المرتبطة بالجندر والجنسانية والعرق والطبقة- وتواصل تفاعلها- في حياة النساء سواء لمنحهن الامتياز أو الإقصاء والاضطهاد هو مفتاح فهمنا للتجارب المتباينة للنسوة الأمريكيات. وما نبدأ به هو الجندر.

الجندر ونتائجه

إن فهم الفرق بين الجنس والجندر يزودنا بمفتاح لفهم الفروق بين التجارب التاريخية للرجال والنساء. ففي أماكن العمل، مثلاً، فإن الأعمال المخصصة للرجال والنساء تعكس آراء رب العمل حول نوعية العمل الذي ينبغي أن يقوم به كل جنس.

ففي مجتمع يتضمن فهمه للجندر اقتناعاً بأن واجبات المرأة الأساسية هي واجبات عائلية، وأن مواهبها الأساسية تنحصر داخل المنزل، حُصرت العاملات من النساء بشكل متواصل في أعمال تتوافق مع نوعية العمل المنزلي، أو بعمل اقترنت خصائصه طويلاً مع المرأة.

وفي مرحلة الاقتصاد المحلي السابق على الصناعة، قامت النساء بأعمال جسدية شاقة-  كاستخراج المياه من البئر، وذبح الدجاج- ومهن تتطلب المهارة- الغزل والحياكة والتمريض. وعندما بحثن عن سبل جديدة يحرزن من خلالها استقلالهن الاقتصادي فقد تتبعن هذه الأعمال اليومية في سوق العمل. وبوصفهن عبيداً "وعوناً مأجوراً" كدحن في مزارع أناس آخرين، وبوصفهن" فتيات معامل" نهضن بأعباء معامل  الغزل الخطرة طيلة اثنتي عشرة ساعة متواصلة يومياً، وبوصفهن عاملات في معامل التعليب اشتغلن وسط رائحة اللحوم والخضار الفاسدة والنتنة. ولذلك طالبت النساء الطموحات بحقهن بمهنتي التدريس والتمريض وذلك بتأكيدهن بأن الصفات والمهارات الشخصية المطلوبة لهذا العمل هي أمور متوقفة على الجنس المؤنث حصراً. وهكذا فإن مهنة التمريض، التي اعتبرت خلال السنوات التي سبقت الحرب الأهلية مهنة مذلّة لا تمارسها أي امرأة محترمة، امتدحت بوصفها مهنة تناسب النساء على نحو لائق. فالعناية الإلهية منحت الجنس اللطيف تلك "العاطفة التي تخترق القلوب"، وتلك الغريزة التي بإمكانها استباق حاجات المرضى والتنبؤ بها، وذلك الصبر الذي تعنوا له جميع أهوائها بمرونة. ومع التعقيد الذي شهده الاقتصاد، تسلّلت بعضٌ نسوة الطبقة المتوسطة إلى مهن كأمينات سرٍ وأمنيات مكتبات. ومع أن هذه المهن كانت مخصصة للرجال، إلا أنه أعيد تحديدها كما في التعليم والتمريض، كي يتم التأكيد على صفات الإطعام والصفات القائمة على الخدمة التي تعزى للنساء- مع ما يناسبها من أجر منخفض. (والصناعات الأحدث قدمت أسماء أعمال جديدة غير مجموعات الأعمال القديمة). وقد وظف أصحاب العمل موظفي استقبال وعمال اجتماعيين كانوا ما زالوا مقتنعين بأن المهام المطلوبة في هذه الأعمال تنسجم مع الصفات والمهارات الشخصية المرتبطة بالنساء تقليدياً. وكانت مهن ذوي الياقات البيض مقسمة حسب العرق، حتى في الشمال الذي لم يكن فيه الفصل ممارس بشكل رسمي. ولم توظف النساء البيض على نطاق واسع كمضيفات طيران على الخطوط الجوية الدولية، إلا بعد صدور قانون الحقوق المدنية في الستينات من القرن العشرين.

لأن النوع الاجتماعي (الجندر) لا المواهب الفردية هو الذي احتل المقام الأول، فإن نتيجة هذا النوع من التنميط كان عزل النساء في أنواع معينة من العمل، إن في المهن أو الصناعة. فاشتغلت معظم النساء العاملات كبائعات ونادلات وأمينات سر وممرضات ومدرسات.

وحالما تحدد شكل من أشكال العمل وارتبط مع النساء، فإنه يغدو على نحو ثابت مقترن بالأجر المنخفض والقيمة المتدنية. وتكتب المؤرخة أليس كيسلر هاريس، "من الناحية النظرية، يعامل السوق كلاً من الرجال والنساء بشكل حيادي، مصدراً حكمه فقط على خصائص عملهم. أما في عالم الاقتصاديين، فإن الأجر يقوم على لعبة العرض والطلب. وفي الممارسة فإن الأجر ليس حيادياً ولا طبيعياً، إنما يكشف عن مجموعة من البنى الاجتماعية. . . التي تنقل رسائل عن طبيعة العالم، وعن . . . الرجال والنساء و. . . العلاقات بينهم". فالأجر المنخفض يلائم بشراً يفترض أن يكونوا عمالاً هامشيين، حيث مكانهم هو البيت الذي يمكن أن تصان فيه الفضيلة والنقاء وإنجاز واجبات الأسرة. وبهذه الطريقة فإن البيت يساعد المصنع.

ليس الجندر مخبوءاً في العلاقات الاقتصادية فقط، وإنما في العلاقات القانونية أيضاً. وينص التقليد القانوني الذي جاء به المستعمرون الإنكليز إلى أمريكا على أن الزوج هو رأس الأسرة وممثلها في تعاملها مع العالم. وحالما تتزوج المرأة، فإنها تفقد هويتها المدنية المنفصلة، ويفترض بها أن تتنازل طوعاً عن حقها باتخاذ قرارات تتعارض مع قرارات زوجها. وفي الأدب القانوني يعتبر الزوج والزوجة شخصاً واحداً. والمرأة المتزوجة هي امرأة محصنة، "محصنة" بهوية زوجها القانونية في كل ما تقوم به باستثناء الجريمة. كما أن الممتلكات الشخصية التي تجلبها الزوجة إلى بيت الزوج تصبح ملكاً له، فيمكنه أن يبيع مجوهراتها ويقامر بنقودها، إلا أنه لا يستطيع أن يبيع ملكيتها العقارية ما لم توافق، ولكن يمكنه أن يقرر كيف تستخدمها: هل ينبغي أن تحول هذه الأرض إلى مزرعة أم تؤجرها للغير أم تزرعها بالذرة أو الخضار،  أم هل ينبغي أن تشجر الأشجار فيها أم تقطع. وبما أن المرأة المتزوجة ليس لها حق التملك لا يمكنها إجراء العقود القانونية المتعلقة بها ولا يمكنها إجراء البيع أو الشراء دون موافقة زوجها. كما لا يمكنها أن تقرر هل ينبغي أن يبقى الأبناء في البيت أم أن يتلقوا تدريباً مهنياً، وإذا تدربوا، من ينبغي أن يكون معلمهم. ولا يمكنها أن توقع عقداً بشكل مستقل، وحتى لو كانت أرملة فإنه لا يمكنها أن تترك وصية. وقد كان الأدب القانوني الذي يقضي أن الرجل وزوجته هما شخص واحد أدبا قوياً إلى حد أن الاغتصاب الزوجي كان أمراً لا يمكن تصوره. وفي الواقع لم يكن الاغتصاب الزوجي أمراً خارجاً على القانون في أي مكان من العالم حتى عام 1978، عندما صادقت ولاية نيويورك على قانون يحرم الوصال الجنسي الإجباري سواء أكان الشخص غريباً أو من المعارف أو زوجاً. أما في عام 1990، فقد حذت تسع ولايات فقط حذو ولاية نيويورك. وقد حاول الكونغرس معالجة هذه المسألة في التسعينات، إذ منح الإذن لكل الولايات التي تريد إصدار قانون الاغتصاب الزوجي، إلا أن التاريخ الأخير لهذا الحافز، 1993، يذكرنا بمدى الصراع الطويل من أجل تخليص هذا القانون من آثار العصمة الزوجية وحصول المرأة على سلامة جسدها الذي يستمتع به الرجال.

ويحدد الجندر أيضاً العلاقات السياسية. ينص التقليد الإنكليزي الأمريكي على أن الحق بالمشاركة في النشاطات السياسية والتصويت وشغل المناصب والقيام بواجب المحلف مشروط باقتناء الممتلكات. وبما أن المرأة لا يمكنها أن تتصرف بممتلكاتها بشكل مباشر، استتبع ذلك أنه لا يمكنها أن تكون محلفة ولا أن تصوت ولا أن تشغل منصباً. ولئن اعتبرت السياسة مجالاً للذكور، وأن النساء لسن كائنات سياسية، لهو فهم قديم قدم الحضارة الغربية. فأرسطو، الذي قدم عمله الكلاسيكي التصورات الأساسية التي أدرك الغربيون من خلالها السياسة، يقول إن الرجال وحدهم يحققون أنفسهم كمواطنين. وليس مصادفة أن الفضيلة (virtue) مشتقة من الجذر نفسه لكلمة الرجولة (virile). وكما يقول أرسطو، فإن النساء لا يحققن أنفسهن إلا ضمن حدود التدبير المنزلي. أما علاقاتهن مع عالم السياسة، فهو كوضعهن القانوني، ثانوية وتابعة- وتتم عبر الآباء والأزواج والأبناء.

هذه العلاقة الثانوية والتابعة أجبرت النساء على أن ينلن بمشقة دورهن السياسي الذي استند إلى مقدرتهن في التأثير على أولئك الذين يحوزون السلطة السياسية. وكتقليد يتمتع بشرف القدم، استخدم هذا التأثير لصالح نطاق واسع من المسائل الاجتماعية الهامة وقضايا حب الغير في سنوات ما قبل عام 1920. وقد وجدت النساء بأن استخدام هذا التأثير يفيد مجموعاتهن ويزيد مهاراتهن السياسيات. وواصلت النساء الأمريكيات استثمار تأثيرهن حتى بعد أن حصلن على حق التصويت. ولأن بيل موسكوفيتش، كانت المستشارة الأولى ل أل سميث، حاكم نيويورك والمرشح الرئاسي في العشرينات، فقد كان لها تأثير هائل على كل من سياسات إدارته وسياسات الحزب الديمقراطي. إلا انه كان يزعجها الإدعاء بسلطتها ولم تسع إلى شغل منصب سياسي. وماري ماكليود بيثيون، المربية الأمريكية الشهيرة من أصل أفريقي، كانت خبيرة على نحو مماثل في استخدام تأثيرها. وبوصفها رئيسة الجمعية الوطنية للنساء الملونات والمجلس الوطني للنساء الزنجيات قابلت بيثيون إيليونور روزفلت. والسيدة الأولى، المعجبة بالفاعلية التي تدافع فيها هذه المرأة السوداء القوية الفصيحة عن حاجات مواطنيها، استخدمت تأثيرها لتؤمن لبيثيون تسلم عدد من المناصب، أجدرها بالذكر إدارة الشباب الوطنية. ومن موقعها ضمن الإدارة، نظمت بيثيون بدورها المجلس الفيدرالي حول شؤون الزنوج، وهو يضم مجموعة من القادة السود الذين عملوا بحيوية كي يجذبوا انتباه الإعلام والإدارة إلى المشاكل الحادة التي تواجه السود في الكساد.

لقد أجبرت جندرة السياسة النساء على تقنيع مطالبهن السياسية بلغة محلية. وكي يتفادين عدائية الذكور إزاء دخولهن الميدان السياسي، بيّنّ بأنه ينبغي أن تنال النساء حق التصويت كي ينتخبن مسؤولي المدينة الذين يهتمون بأن تنقل النفايات المتعطنة من البيوت، واللحم الفاسد من الأسواق وأن ينقي المياه الملوثة، وإلا فإن جهود الأمهات ليؤمن لأولادهن بيوتاً نظيفة وطعاماً صحياً ستكون من غير طائل. كما استخدمت النساء في حركة نزع التسلح النووي أيضاً لغة مجندرة، إذ سمين منظمتهن "إضراب النساء من أجل السلام".

مصاعب فهم الجندر كنظام

كما رأينا فإن كلاً من الاقتصاد والقانون والسياسة تخترقه الافتراضات والممارسات والتوقعات المجندرة بعمق. وهذه الافتراضات والممارسات والتوقعات المشتركة على نحو واسع وتشكل شطراً كبيراً من تجربة الحياة اليومية العادية بحيث اكتسبت هالة من الوضعية الطبيعية والصوابية وحتى الضرورية. ويملي الحس المشترك  بأن "هذا ما تكون عليه الأمور ببساطة". وكما تلاحظ الانثربولوجية كليفورد غيرتس بشكل لاذع، "ولكن الحس المشترك ليس ما يتبيّنه الذهن من اللغة المفهومة عفوياً، بل ما يحشو الذهن بافتراضات مسبقة و. . . استنتاجات". ونتيجة فهم العالم بهذه الطريقة- سواء في القرن العشرين أو في وقتنا الحالي- هي إخفاء أعمال النظام التي تتفاعل فيه القوى الاقتصادية والسياسية والثقافية وتعزز بعضها البعض بطريقة تستفيد منها مجموعة وتضر أخرى. وبعجزنا عن إدراك هذا النظام، وفشلنا في فهم أن ما يشكل ويحدد حياتنا قد بنته كائنات بشرية قطعة تتشابك مع أخرى عبر الزمن، فإننا نعيد بثبات إنتاج العالم الذي نعرف مؤمنين بأنه لا خيار آخر أمامنا. وبالنتيجة تستمر المظالم، وقد باتت عسيرة على التحدي لأنها هي أيضاً تبدو طبيعية وحتمية قدر النظام الذي أنتجها.

إنها لمهمة شاقة دوماً أن نتبنى طريقة في النظر تسمح لنا بأن "نرى" العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، التي يزعم أنها حيادية وطبيعية، بوصفها ترتيبات مبنية اجتماعياً تفيد في الواقع مجموعة واحدة على حساب مجموعات أخرى. وقد غدت هذه المهمة حتى أكثر صعوبة لأن تلك اللغة مخبوءة في قيم ومعايير وافتراضات المجموعة السائدة. وبالتالي، فإنها  تعكس وتعيد خلق الواقع كما تتصورها تلك المجموعة. واستخدام لغة ليست صنيعة المرأة لكشف العلاقات الجائرة أو الخلق بديل عن تلك العلاقات لهو أمر يتحدى حذاقة المقدرات التحليلية لأكثر الأدمغة صفاء وأشد المفكرين خيالاً.

مع ذلك، فإن المهارات التحليلية ليست فطرية. فهي تتنامى ببطء وألم ضمن عملية تعليمية تقدّر وتشجيع هذه المهارات بوصفها مغايرة للتعليم الصَّم أو القائم على الحفظ. وعبر التاريخ، أقصيت النساء علناً عن الجماعات الفكرية. وقبل القرن السابع عشر حينما كان أكثر الناس جاهلاً أمياً، فإن أسر النخبة التي تعلم أبناءها القراءة والكتابة نادراً ما وفرت هذه الفرص أمام بناتهن. وفجوة التعليم الرئيسة القائمة حتى وقت طويل في القرن العشرين في العالم كله، وفي الكثير من البلدان المتخلفة، ما تزال قائمة اليوم. وفي زمن الثورة الأمريكية، حينما قدر أن 70% من الرجال في المدن الشمالية يمكنهم القراءة، فإن 35% فقط من الإناث يمكنهن ذلك. أما العبيد فقد حرمهم قانون الوصول إلى تعلم القراءة والكتابة خشية أن يتعلمن بدائل عن العبودية. ولم تقبل النساء البيض في جامعات الدولة الرئيسة إلا في  النصف الثاني من القرن العشرين. وما بين 1870 و 1890 قامت بضع كليات نخبوية تهدف إلى أن تقدم لفتيات الفئات العليا من الطبقة المتوسطة تعليماً مماثلاً لما يتلقاه أخوتهن في جامعات هارفرد ويال وبرينستون. وقد قبلت هذه الكليات النسائية الجديدة بعض الطالبات السود على مضض. وقد سمح لنسوة سود وباستخدام موارد ضئيلة في مجتمع الفصل العنصري المتشدد بأن ينشأن معاهدهن الخاصة- ونخص بالذكر ماري ماكلود بيثيون وشارلوت هويغنز براون. ولأن المدارس الحكومية لا تفيد الأولاد السود إلا بشكل رديء، فقد بدأت هذه المعاهد الخاصة، ليس ككليات غالباً، إنما كمدارس ابتدائية أو ثانوية تطورات لاحقاً إلى كليات أكبر وأعلى مستوى. وفي الأجيال الحديثة فقط أمكن لعدد كبير من النساء أن يكتسبن ليس التعليم الأساسي فقط، إنما تدريباً دقيقاً يقوي مقدرتهن على تحليل ومساءلة الترتيبات الاجتماعية والثقافية اللاتي يعشن فيها.

والنتيجة الأخرى لحرمان النساء من التعليم هي جهلهن بالتاريخ وبالتالي انعدام المعرفة الوثيقة للاعبين التاريخيين ذكوراً أو إناثاً- الذين واجهوا تحديات تشابه بطريقة معينة التحديات التي تواجههن. وبافتقارهن إلى تاريخ من صنعهن، فإنهن يمتلكن نماذج قليلة- أبطال يحاكينهم أو استراتيجيات يتبنينها. وغياب تاريخ كانت فيه النساء هن الفاعلات جعل من الصعب كثيراً حتى بالنسبة للنسوة المتعلمات أن يتصورن عالماً غير العالم الذي يكون فيه الرجال- خبراتهم وحاجاتهم- هي المعيار. وهكذا فإن الهامشية في الماضي تؤكد وتعزز الهامشية في الوقت الراهن.

وقد كان من مهام الحركة النسوية فهم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تفيد جنساً على حساب الجنس الآخر، وصياغة لغة تنتقد تلك العلاقات التراتبية والإفصاح عن رؤية بديلة، وتكوين التضامن الجماعي الضروري لتحقيق تلك الرؤية. وبات مصطلح الحركة النسوية قيد الاستخدام في الولايات المتحدة الأمريكية قرابة عام 1910، عندما أشركت النساء في النضال من أجل حق التصويت بالإضافة إلى طائفة من الإصلاحات الأخرى. وكما تبين المؤرخة نانسي كوت، تضمن نضال الحركة النسوية على حق التصويت وإجراءات أخرى تعزز رفاهية النساء التي تأتت عن الحركة النسوية في القرن التاسع عشر. ومع ذلك، أحاطت الحركة النسوية بمجال من التغييرات الأساسية، بلغت حد الثورة في العلاقة بين الجنسين. وكما تلاحظ كوت، "ولأن الحركة النسوية (أيديولوجيةism)، فقد افترضت مسبقاً مجموعة من المبادئ ليس من الضروري أن تحض كل امرأة- وليست مقصورة على النساء". بكلمات أخرى، ليست كل النساء معارضات للتراتبية التي تفضل الرجال كجماعة ولا يشعرن بالحاجة للنضال من أجل المساواة الجنسية. وقد انضم بعض الرجال إلى دعاة الحركة النسوية في مسعى لتعرية نظام جنس واحداً سلطة تحديد الجنس الآخر وتعريفه. وعلى الرغم من أن هذا النظام قد تعرى جزئياً- فهدف حق التصويت تحقق في قانون 1920- فإن ثورة أوسع نطاقاً لم يزل من الواجب إنجازها.

إعادة التفكير في البناء الاجتماعي للجندر

إن الحركة النسوية المعاصرة، إذ تبنّت أهداف أسلافها في الحركة النسوية واغتنت بالبحوث الراهنة حول الجندر، تسعى إلى إعادة بناء العلاقات الاجتماعية بين الجنسين. ويعتقدن بأن القيام بذلك يتطلب تغيراً في كل من الحياة العامة والسلوك الخاص. ولهذه الأجندة المزدوجة تاريخ طويل.

ففي عام 1848، حينما أعدت دعاة الحركة النسوية بيانهن الأول، طالبت اليزابيث كاندي ستانتون، بتغيير في كل من القانون والعادات. كما طالبت بتغيير قانوني في صيغة حقوق الملكية بالنسبة للمرأة المتزوجة وبحقوق التصويت بالنسبة لكل النساء. ولإدراكها للطرق التي كان تقدير النساء لأنفسهن واستقلالهن ضعيفاً معها، حثت النساء أيضاً على تغيير ثقافي واسع النطاق، مثل المعايير المتساوية للسلوك الجنسي والأدوار المتساوية في الكنائس.

وعندما شرعت دعاة الحركة النسوية في القرن العشرين في فهم الجندر كبناء اجتماعي، أدركنا أيضاً أن الثورة النسوية ينبغي أن تغلغل في الحياة الشخصية والحياة العامة، في البيت ومكان العمل، في أكثر العلاقات حميمية وفي أكثرها بعداً. وكما علقت الناشطة النسوية كريستال أيستمان بعد فترة وجيزة من المصادقة على تعديل حق التصويت الوطني عام 1920، ينبغي أن يكون كسب عيشكم، والوقوف على أقدامكم أنثوياً ورجولياً، وينبغي أن يكون رجولياً وأنثوياً معرفة الطبخ والخياطة والتنظيف والاعتناء بالنفس إزاء متطلبات الحياة العادية. . . . وسيكون الأمر الثاني من هذه الثورة أكثر مقاومة من الأول انفعالياً. فلن يتخلى الرجال عن امتياز عجزهم دون نضال, فالرجل العادي يتربى بعناية على تجاهل مسائل التدبير المنزلي. . . . نوع من انعدام الكفاءة المبتهجة". إلا أن خمسين عاماً مضت قبل أن تصير تبصرات ايستمان أجندة عمل.

وفي السبعينات، أسرت دعاة الحركة النسوية الانتباه الوطني بنقدهن اللاذع للآباء الذين يقدمون لبناتهم تنورات الممرضات ولأبنائهم حقائب الأطباء وانتقدن توجيه المستشارين الذي يحث الفتيات الموهوبات في الرياضيات كي يصرّن أمينات مكتبات والفتيان ليكونوا مهندسين. وأدانت الأنماط التي تكيّف الأولاد وتعدهم للأدوار التقليدية في حياتهم الراشدة فشجعن نشر الكتب والألعاب الهادفة لأن تبين لكل من الفتيان والفتيات الأدوار الرسمية في حياتهن الراشدة، تشجع نشر الكتب والألعاب الهادفة إلى إثبات لكل من الفتيان والفتيات أنهم ليسوا بحاجة إلى صياغة طموحاتهم حسب الأنماط المعدة اجتماعياً للجنسين. (عروض التلفاز الشعبية، والأشرطة، وكتاب  حرفي أن تكون أنت أو أنا يتضمن هذه الموضوعات) كما حثت الحركة النسوية  على مجموعة من القرارات ضمن العائلة، بحيث يتشارك كلا الجنسين بمزيد من المساواة في الأعباء والمتع المرافقة لكسب العيش، وعلى المساعدة في تدبير المنزل وتنشئة العائلة. إلا أنه تكشف أن أنماط النوع الاجتماعي أكثر خفاء مما توقعه الكثير، فإضفاء الطابع الاجتماعي هي عملية تمتد طيلة الحياة.

لقد ترتب على ناشطات الحركة النسوية أن يتصارعن مع الثقافة التي تنادي بتراتبية القيم، والقوة الحامية، والكفاءة والاستقلالية و العقلانية للرجال، بينما تعطي للنساء وظائف الإطعام والدور الداعم والتقمص العاطفي. وبعد مناقشة كل من التراتبية والثنائية المخبوءة في جندرة القيم، بينت تلك الناشطات أن هذه ينبغي اعتبارها صفات بشرية مشتركة لا خاصية مرتبطة بالجنس.

والتراتبية الجنسية ليست هي التراتبية الثقافية الوحيدة التي تطرح المشاكل. فهناك تراتبية العرق والطبقة. وفي السبعينات تعرضت الحركة النسوية البيضاء للانتقاد لأنها تشجع الرؤية التي تتجاهل النساء السود وتفترض بان جميع النساء اللاتي يتذمرن من الثقافات المعاصرة هن نساء الطبقة الوسطى البيض. وكانت الرؤية الطموحة رؤية خلافية،  فأولويات النساء من مختلف الأعراق والطبقات من الطبقات الوسطى ليست متقاربة بالضرورة. وقد دعمت الكثير من النسوة السود كثيراً من بنود برنامج الحركة النسوية البيضاء من الطبقة المتوسطة في السبعينات- الأجر المتساوي لقاء العمل المتساوي. نيل العمل- إلا أنهن لم يوافقن على الأولويات. وكن متشككات من هاتيك اللاتي قدّمن حاجات نساء الطبقة الوسطى على حاجات النساء العاملات. ونساء الطبقة الوسطى البيض وأرباب العمل المحليين كانوا متحمسين لإلغاء حصة الطالبات الإناث من القانون والمدارس الطبية أكثر من حماستهن لتثبيت أجور الحد الأدنى وتوفير حماية الضمان الاجتماعي للعمال المحليين. وقد ناضل الجيل الأول من الحركة النسوية الردايكالية بقوة من أجل إلغاء جميع قوانين الإجهاض ولتوفير طرق آمنة لضبط الإنجاب؛ أما بالنسبة للحركة النسوية السوداء فإن الحاجة لتوفير إجهاض آمن كان طلباً واحداً فقط من مجال الخدمات الطبية التي ناضلت من أجلها الكثير من النساء السود.

وقد طرحت الفروقات  في التفضيل الجنسي مشاكل أمام هذا الجيل من الحركة النسوية. والاحتجاج على ترتيبات النوع الاجتماعي  التقليدية ألهمت الساعين إلى تشويه سمعة الحركة وتتفيه معاناة النساء برميها بتهمة الانحراف الجنسي، ولم تكن فترة الستينات استثناء لهذا الأمر. وقد رفضت هذه التهمة كثير من الناشطات المهتمات بصورة الحركة، وحاولن إقصاء السحاقيات. وألححن على أن المساواة، لا التفضيل الجنسي، هي القضية الهامة. فلم توافق السحاقيات، إذ تبيّن أن الاستقلال في المسائل الجنسية يشتمل على ما هو أكثر من الوصول إلى الضبط الإنجابي. ومع الزمن خفت التوترات  لأن كثيراً من الناشطات الميالات للجنس المغاير قبلن شرعية انخراط السحاقيات ومشروعية نضالهن بأن تقسيمات سوي/شاذ هي أيضاً تشكل أحد أشكال التراتبية الثقافية التي تعزز سيادة الذكور.

تعقيد خلق المساواة

إن الحركة النسوية، بإدراكهما لمدى التغير الثقافي والشخصي اللازمين إن أرادت كل امرأة أن تحقق امكاناتها الإنسانية كاملة، اعترضت في السبعينات بشكل متزامن على المؤسسات والقوانين التي تحرم النساء من المعاملة المتساوية. فبدأت في عدد كبير من القضايا المعيارية في محاكم الولايات والمحاكم الفيدرالية التي تعترض على ممارسة المسؤولية غير المتساوية في سلك القضاء والفوائد غير المتساوية للمعالين وشروط السن غير المتساوية بالنسبة لتناول المشروب والزواج. وفي عام 1971، في قضية ايداهو التي بحثت من ينبغي أن يكون القيم على الوصية، أقنع دعاة الحركة النسوية المحكمة العليا للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي، بأن تعتبر التمييز على أساس الجنس إنكاراً للحماية المتساوية أمام القانون إلا أن المحكمة العليا ترددت في البناء على هذه السابقة في قضايا لاحقة. ورفض المحكمة لتطبيق معيار صارم على التمييز الجنسي كما في التمييز العنصري، حثّ دعاة الحركة النسوية على محاولة إدراج حظر التمييز على أساس الجنس في الدستور. وقد فشل تعديل الحقوق المتساوية الذي صادق عليه الكونغرس في عام 1972، في كسب الولايات الثلاث الأخيرة اللازمة لكسب الأرباع الثلاثة المطلوبة للمصادقة عليها. والعامل الذي ساهم في فشله هو عدم الاتفاق على إن كانت المساواة أمام القانون تقتضي المساواة في الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحرزت الحركة النسوية، بالمناقشة الجادة مع الكونغرس والفرع التنفيذي، ضمانات حول الأجر المتساوي لقاء العمل المتساوي، وتكافؤ الفرص في التوظيف، والحصول المتساوي على التعليم والائتمان. وأحرزت الحركة، باستنادها إلى تكتيكات وإنجازات حركة الحقوق المدنية، مكاسب كبيرة في الستينات والسبعينات. ومع ذلك، اكتشفنا في سياق الزمن أن ضمانات المساواة في نظام مبني على اعتبار حاجات الرجال كمعيار لا يعطي دوماً نتيجة محايدة جندرياً. فمثلاً، في كثير من المهن ثمة ضغط شديد لإثبات براعة الشخص في مجال عمله في المراحل الباكرة للمهنة، وذلك بالضبط عندما تكون المخاطر الجسدية للحمل في حدها الأدنى نسبياً. ومع أن المعيار يبدو محايداً جندرياً، فإنه يقدم للنساء الشابات خيارات مؤلمة لا تواجه نظرائهن من الرجال.

ليس ثمة تحدٍ لبلوغ الحيادية الجندرية في مكان العمل أكبر مما هو عليه في حالة الحمل. ودعاة الحركة النسوية، المدركات للتاريخ الطويل في التمييز ضد الموظفات الحوامل، هاجمن بنجاح التشريعات التي تمنع النساء من اتخاذ قرارهن حول العمل خلال الحمل ومدته. إلا أن "حلولاً" تشريعية أولية أبرزت تعقيدات جديدة تعارض الافتراض بأن المساواة تتطلب دوماً معاملة متماثلة. فإذا كان أصحاب العمل ما عادوا قادرين على طرد النساء الحوامل فما زال بإمكانهم أن يستبعدوا من برنامج الشركة الخاص بالعجز تلك النسوة اللاتي لا يقدرن على العمل مؤقتاً خلال بعض مراحل الحمل أو الولادة. والحمل حسب تعريف المحكمة العليا ليس عجزاً مؤقتاً إنما "حالة جسدية اختيارية". وطالب دعاة الحركة النسوية وحلفائها، المستاءين من قرار المحكمة، بقانون يصدر عن الكونغرس يقضي بأن يعامل الحمل والولادة كأي حادثة جسدية أخرى تصيب العاملين. وإذ استجاب الكونغرس في عام 1978، بنموذج تشريعي يلزم بالمعاملة المتساوية في مكان العمل، فقد طالب أصحاب العمل بأن يقدموا للعاملات الحوامل العاجزات جسدياً الفوائد نفسها التي تعطى للعمال الآخرين العاجزين. ومع ذلك، فإن المشكلة لم تكن قد حلت بعد.

وإذا حرم أصحاب العمل إذن العجز لجميع الموظفين كمسألة متعلقة بسياسة الشركة، فإن التشريع الفيدرالي الذي يلزم بالمعاملة المتساوية لكلا الجنسين مع مراعاة عجز الحمل، سيكون في الواقع عقاباً للموظفات الإناث العاجزات عن العمل بسبب مرض متعلق بالحمل. ويبدو أن المساواة في هذه الحالة تتطلب معاملة خاصة. وقد وافق المشرعون في كاليفورنيا، وبعض الولايات الأخرى بمطالبة أصحاب العمل على تقديم تغطية لعجز العاملات الحوامل حتى لو لم يتم تغطية أمراض أخرى. واشتكى أصحاب العمل بأن هذا الأمر يشكل "معاملة تفضيلية" للنساء. ودعاة الحركة النسوية، المدركات للطرق التي حدد بها التشريع النساء كطبقة خاصة من الموظفين بسبب مقدرتهن الإنجابية قد عاقب العاملات الإناث في الماضي، شككن إن كان هذا التشريع في صالح النساء. وهل سيعزز الأنماط القائمة عن الرجل بوصفه "معيلاً طبيعياً" والنساء بوصفهن منجبات ومربيات طبيعياً، جاعلاً أصحاب العمل يترددون في توظيف نساء متزوجات في سن الإنجاب ويهمش النساء كعاملات؟ ألم يكن من سياسة أفضل تركز على توزيع فوائد العجز لتشمل العمال من كلا الجنسين؟ بعض دعاة الحركة النسوية لم يقلقهن الأمر، فقد حاججن بأن الحمل وقف على النساء وطالبن "بمعاملة خاصة" اعترافاً بهذه الفرداة، وأن مثل هذا التشريع هو اعتراف بالواقع في وقت يتزايد فيه عدد النساء اللاتي يصبحن حوامل خلال السنة الأولى من توظيفهن.

لقد بلغ القاضي ثيرغود مارشال، لب معضلة المساواة/ الفرق، بكتابته إلى الأغلبية المساندة لقانون كاليفورنيا الجدالي (1987) المتعلق بالفوائد في حال العجز عن العمل خلال الحمل. فقد لاحظ، "بينما ينص القانون الاتحادي على المعاملة نفسها للحوامل وغير الحوامل من الموظفين، فإنه ينتهك روح القانون بوصفه يمنع المعاملة التفضيلية في حال الحمل. وقانون كاليفورنيا يشجع على ال