English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


من يحفظ كرامتها من الهدر؟؟ 

ثناء الكردي

 هل فكرت يوماً أنك قد تبصر كائناً بشرياً لا لون له؟ وهل تخيلت كيف ستكون ردة فعلك تجاه الموقف؟ هل ستشيح بنظرك إلى جهة أخرى لتتظاهر بعدم الرؤية؟ أم أنك ستنظر إليه خلسة؟ أم أنك قد تحدق فيه؟ أو ربما لن تشعر به أبداً ولن تلحظ أنه مر بك مطلقاً. تلك هي الصورة المأساويَّة التي يترجمها لك أناسٌ سحقتهم الظروف القاسية لتُسلب منهم صفاتهم الآدمية. لونٌ رماديٌّ باهت هو لون تلك المرأة التي يناهز عمرها الثمانين يمكنك أن تبصرها إذا فكرت أن ترمي علبة العصير المعدنية التي تحملها، لتجدها هناك في فترة استراحة الطلاب من الدراسة في حديقة الجامعة ...هناك عند سلة القمامة وهي تحمل في كلتا يديها كيسين لتملأ كل واحدٍ منهما بهذه العلب الفارغة ولا يمكننا هنا سوى أن نتوقع رداءة المبلغ الذي يمكنها أن تحصِّله من بيعها إلى من يهتم بإعادة تصنيعها بعد أن تطورت الأفكار وظهرت التكنولوجيا لتقدم إلى العالم الأساليب العصرية في الحياة وتسحق معها أمثال هذه المرأة وما أكثر أمثالها من الفقراء الذين يحتارون لقوت يومهم دون أن يجدوا من يمد لهم يد المساعدة.

ظهرها المنحني انحناءً تدمع له العين.. يداها وقدماها النحيلتان بالكاد يحملان جسدها المتعب تتوقع كل لحظة رؤية انهيارهما... أخاديدٌ كثيرة تحتل صفحات وجهها المغطى بشعرٍ أبيض من الأمام والأطراف، تقرأ في عينيها الذابلتين خيانة الزمن وغدر الأحبة والأصحاب ولا مبالاة الأغنياء وسوء قرارات ذوي النفوذ وفقدان الضمير عند كل ذي ضمير إذا كان من بيننا من لا يزال يملك بعضه..

هناك جلست تحت الشجرة وضعت كيس القمامة إلى جانبها.. لكن ربما لا يزال بين من نعيش معهم من يحمل بعض الرحمة والشفقة..

امرأةٌ مع طفلها جلسا على كرسي  مقابل لها من الجهة الأخرى، أشارت الأم إلى طفلها بعد أن وضعت مبلغاً من المال في إحدى يديه وهو يحمل في يده الأخرى قطعة آيس كريم مُلونة بأصباغٍ كثيرة كان منظره جميلاً وهو يركض باتجاه العجوز منفذاً تعليمات والدته ليضع المبلغ بين يديها التي أبت في البداية أخذ النقود ...

يبدو أن كثيراً من الفقراء في المال أغنياءٌ في نفوسهم عندما يفضِّلون الجوع على الإحساس بفضل الغير عليهم، ولم تأخذ النقود إلا بإصرار الطفل العفوي... قبَّلته من جبينه ومسحت رأسه مبديةً امتنانها.. في تلك اللحظة بدا في وجه الأم امتعاضاً واضحاً من لمس العجوز للطفل وتقبيله وكأنّها تقزَّزت منها، كيف لا؟ وهي من نساء الطوابق العليا وعجوزٌ مسكينة كتلك تسمح لنفسها بتقبيل طفلها...هدمت بذلك كل إعجابٍ كان في طريقه إلى النمو بتصرفها الإنساني السابق أو ربما لا بد أن نعترف أن الصفات الإنسانية في طريقها إلى الانقراض...

هذه العجوز المسكينة ربما لا تملك المال ولكنها تملك الأحاسيس الآدمية!!!؟؟ هي تبحث بيديها في سلة المهملات لا بشفتيها حتى تتقززي منها؟؟؟!! ثمَّ أن الأصباغ والأطعمة التي يتناولها طفلك ملوثة بما فيه الكفاية لتوقعه مريضاً وليست العجوز هي التي ستمرضه؟؟!! هذه هي قوانين الحياة العصرية التي نعيشها ونتعامل مع نتائجها اللاإنسانية؟؟!! قرأت العجوز امتعاض الأم.. حملت الكيسين.. مشت.... لتخرج من بوابة الجامعة... تركت مكانها فارغاً. اختفت....تلاشت....لكن! لم يتلاش معها إحساسٌ داخليٌّ بالحزن والأسى. هل إذا تقدمت بنا السنون وانقلبت ظروف الحياة واحترنا لقوت يومنا هل هناك من يحمينا من قسوة العيش والإهانة؟ أم أنَّ مصيرنا سيكون مصير العجوز الرَّمادية؟

من المسؤول عن الحالة الصعبة التي يعيشها كبارٌ في السن أهدروا شبابهم في خدمة الغير لتكون عاقبتهم المذلة والإهانة التي تفوق طاقاتهم المتبقيَّة؟ وأيُّ قانونٍ يسمح وأية منظماتٍ تسكت؟؟ وكيف لنا أن نرى ونصمت؟؟ من يحمي هؤلاء ومن يساعدهم على العيش بكرامة في أواخر حياتهم أو بالأحرى من يحفظ كرامتهم من الهدر؟؟ دعوة لنا جميعاً أن نفكر ولو للحظة بهذه الفئة، لأن الألم الذي يولدونه في أعماقنا يؤذي الضمير ويبكي القلب قبل العين....   

 

 

تعليقك على الموضوع:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

التعليق:

 رافي غازريان

 raffy_241@hotmail.com

  الزميلة العزيزة ثناء الكردي المحترمة تحية انسانية وبعد

 إن الموضوع المطروح يحتاج إلى نقاش وطروحات كثيرة سأطرحها في موقعكم قريبا,أما الحل ... المطالبة  بضمان الشيخوخة.

 رافي غازاريان ناشط مستقل في حقوق الإنسان - حمص - سوريا
-------------------------------------------------------------------------------------------

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة