|
شقاء النساء الريفيات لا يزال الأشد
خاص
ثرى
مرمية في
القسم الخلفي لشاحنة زوجها "البيك آب" كما لوكانت شاة، وصلت أم محمد إلى
مشفى التوليد قادمة من إحدى قرى الغوطة لتضع مولودها السادس. لم يكن أحد
يتصور أن ذلك الشيء المكسو بالسواد والملقى على الجزء الخلفي من تلك
الشاحنة هو مخلوق آدمي، إلى أن بدأ صراخها يعلو طالباً الخلاص من آلام
المخاض. توقفت الشاحنة عند مدخل الإسعاف، ترجل الزوج، لم تكن خطواته
المتأنية تنم عن لهفة أو قلق، وكأنه يمارس عملاً اعتيادياً لمزارع طالما
خبر التعامل مع الأغنام والماعز، مع فارق "بسيط" بالنسبة إليه هذه المرة
وهو أنه يتعامل مع زوجته!!! تقدمت عربة المشفى أخيراً، لتنقل السيدة، بينما
كان الخجل والتأفف يملأ محيا الزوج الذي حرص ألا يلمح من كان في المكان
عورة زوجته، وربما كان وقتها يفكر أن اعتماده على الداية كان ليوفر عليه كل
هذا الموقف وكل هذا الإحراج!!!
مشهد يتكرر
طوال الوقت لنساء ريفيات مغلوبات على أمرهن، لا يملكن إلا الإنصياع لرغبات
ذلك الزوج الذي لا يعتبر المرأة أكثر من وعاء وآلة إنجاب وعاملة مطيعة!!
في الخامسة
والعشرين من العمر يصبح لدى معظمهن نصف دزينة من الأولاد، فتبدأ حياتهن
بالأفول دون أن يشعروا بذلك ودون أن يشعروا أن إنسانيتهن تنتهك كل يوم في
المنزل وفي الأرض وفي الفراش وفي مؤخرة سيارة البيك أب التي نقلت أم محمد
للمشفى.
إن معاناة
المرأة الريفية هي أسوأ أنواع المعاناة وشقاءها هو الشقاء الأشد، فهو
متواصل منذ زمن بعيد، وإذا كانت أم محمد قد نجحت في الوصول إلى المشفى
فهناك مئات النساء اللواتي لا يزلن يلدن في الحقول وهناك عشرات اللواتي
يمتن خلال الوضع، أو بين يدي القابلات غير المؤهلات. بكل الأحوال، أم محمد
لم تصل إلى غرفة المخاض فولدت في الممر طفلة نخشى أن تكون منذورة للشقاء
كأمها، وكل ما كان على الطبيب أن يقوم به هو أن يقطع ذلك الحبل الذي يتدلى
ببن الأم وابنتها، فهل من حبل آخر يمتد كي يخلص تلك النسوة من كل هذا
الشقاء والظلم الذي يحيط بهن؟؟.
|