|
هـل هي حقاً عـروس؟!.
سعاد خبية
رأيتها في تلك الأمسية الصاخبة المسماة عادة "حفلة عرس " تصارع طفولتها،
تتحدى سيل الفراشات التي كانت تحوم متراقصة على ضفاف مبسمها القرمزي وهي
تنطلق مسلوبة الإرادة باتجاه عالم ....جديد، عالم لم تتعرف بعد على أي من
ملامحه أو دهاليزه!!! يسوقونها رافلة في ثوبها الأبيض مستسلمة نحو مصيرها
المجهول.. كانت تقف أمام الملأ بكل كبرياء مجردة من أي سلاح بالرغم من أن
طريقها الحالي سيأخذها باتجاه ساحة المعركة، معركة الحياة، ولكن يبدو أن
عليها أن تخوضها بلا أسلحة.
هي قريبا ستدخل بيت الزوجية وسيحكمها قانون الحريم اللواتي عليهن أن يحلفن
بأغلظ الأيمان بأنهن ضد أنفسهن، وبأنهن دون قيد أو شرط مع حكامهن، سيطعن،
وسيصلن الليل بالنهار عملاً دون أن يتأوهن أو يشتكين فهذه إحدى مزايا
الحريم الصالحات في بلادي، وبهذا ينلن شهادة حسن السلوك.
كانت تلك العروس لا تزال زهرة ندية لم تكمل الخمس عشرة ربيعاً من زهور
عمرها بعد!!!
ومع ذلك فهي تدخل ذلك العش الأبدي بفرحة تائهة بين الخوف والتردد فالمرأة
في بلادي... عندما تدخل عش الزوجية لا تعطى نسخة من المفاتيح حتى لا تعتاد
الدخول والخروج على هواها.
كانت ابتسامتها الجميلة لا تفارق ثغرها ليس فرحا بما أنجزت بل كان مبعث
سعادتها ذلك الثوب الأبيض الذي اختارته تماما مثل ثوب لعبتها الأجنبية
(الباربي ) ومع ذلك كانت بعض الأفكار المعتمة تتداعى داخل رأسها الصغير،
بدا ذلك من خلال ارتباكها ونظراتها فهي تحاول عبثا التقاط إحدى هذه الأفكار
تشتهي أن تخنقها بأصابعها المذهبة المرصعة بالخواتم لأنها تذكرها بأنها
ستصحو غدا وسينتهي كل هذا الصخب وستطفئ هذه الأضواء الملونة وتتوقف
الزغاريد.
نعم هي طفلة في يوم زفافها ...تركت حقيبتها المدرسية دون أن ترتب برنامج
اليوم التالي ودون أن تكتب الوظيفة البيتية، ولكن لا يهم فلن تحتاج مجددا
للذهاب إلى المدرسة.
ترقص عروسنا أمام أنظار مبتهجة، ترقص كدمية آلية فأنوثتها الفاترة لم تتعلم
بعد كيف تشتعل ولأي شيء تشتعل لهذا لن تكون أبدا أنثى كاملة لأنها ببساطة
لا تعرف عن نفسها الكثير.
تدربت في بيت طفولتها على يد حريم أساتذة ونهلت من ينابيع علمهن بعض الفنون
والدروس المطلوبة للمرحلة القادمة.
وجاء اليوم الذي تعبر فيه عن مدى استيعابها لهذه الدروس فقد أضحت بارعة في
فن الطاعة وفن الاستطاعة وفن الانكسار تعلمت كيف تقاوم مشاعرها لو أنها مرة
شعرت بكونها إنسان كامل، تعلمت مهارة أن تقبل بكل شيء وأي شيء دون أن تكون
بالضرورة تريد أو لا تريد .....
فهل كل هذا الضجيج حفلة عرس وهل هي حقاً عروس؟!.
|