English Site

البحث في الموقع

   

    الشريط الإخباري  


التقاعـد... رحلة عطاء جديدة
                                                                                       إيمان أحمد ونوس

 هكذا هو الإنسان، تكبر حكمته، وتتعمق معرفته بازدياد سنوات عمره وتجربته. وعمر الإنسان فترة زمنية وجيزة قياساً لعمر البشرية، ولا يشكل معياراً على بيانات التاريخ ومقاييس الزمن إلاَ بما يعطيه لذاته وللبشرية. فكم من أناس وشخصيات كبيرة وعظيمة تركت بصمات على جدار الزمن والتاريخ رغم أن رحلتها في الحياة كانت قصيرة جداً، لكنها أغنت البشرية بكنوز لا يمكن تجاهلها، من بوشكين شاعر روسيا العظيم، إلى أبي القاسم الشابي، ورياض الصالح الحسين... وغيرهم ممن لم يتجاوزوا العقد الثالث من العمر، لكنهم أثروا الحياة الإنسانية بعطاءاتهم الثرّة.

بالمقابل، هناك أناس عاشوا حتى بلغوا قرناً من الزمن دون أثر يذكر على خارطة الحياة العامة والخاصة، سوى أنهم أدوا وظيفة بيولوجية ساهمت في حفظ الجنس البشري.

لقد وجد الإنسان في الحياة ليعمل وليكون له دور وشأن فيها، لا أن يحيا على الهامش مترقباً النهاية، يَعدُّ السنين التي انقضت من عمره، خصوصاً وأننا في زمن ارتفع فيه مستوى العمر بفضل التكنولوجيا والتطور العلمي في مجالات الطب والصحة.

وفي مجال تحديد العمر الوظيفي والإحالة الرسمية بعده إلى التقاعد، فهذا لا يعني نهاية الحياة كما يسميها البعض، ولا يعني أن تكون فاعليتنا في الحياة قد تقلصت، لنصبح فعلاً متقاعدين أو مُقعدين، ولتبدأ أمراض الشيخوخة النفسية والجسدية تلتهمنا فقط لأننا بلغنا السنّ القانوني للتقاعد الوظيفي.

 إن التقاعد الذي يعتبره البعض نهاية الحياة، قد يكون عند البعض الآخر بداية حياة جديدة، وفرصة لاكتشاف الذات، والجلوس مع النفس وتقييم إمكاناتها، بعد سنوات طويلة من العمل ومعاركة الحياة، يتفرغ فيها الشخص إلى حياته الخاصة، وممارسة أوجه الحياة التي كانت زحمة العمل تعيقه عنها، فتتكشف فيه مهارات جديدة قد يتفرغ لها.

إنني أرى في هذا التوجه- التقاعد- حكمة وفائدة اجتماعية متعددة الوجوه. فهي فرصة لأناس آخرين كي يمارسوا حقهم في العمل الوظيفي، وبالوقت ذاته هي فرصة ثمينة جداً لمن وصل سن التقاعد، بأن يعيد إحياء أشياء وهوايات ورغبات كان العمل الوظيفي يلغيها بحكم ضيق الوقت.

 فلماذا لا يكون هذا العمر بداية لمرحلة جديدة وحياة ثانية نبدأ فيها ما كنا قد ألغيناه أو أجّلناه مما كنا نحلم به أو نطمح إليه في الماضي، بحيث نفتح دفاترنا القديمة لنعيد لعمرنا شبابه الذي نُحيَ جانباً بسبب متطلبات العمل والأسرة، لا سيما وأن المسؤوليات الأسرية في هذا العمر تكون قد تضاءلت بحكم خروج الأبناء للحياة وتحملهم مسؤولياتهم الخاصة، فيكون لدينا متسع من الوقت كي نمارس أنماطاً من الحياة والهوايات الفاعلة والمفيدة ولو على الصعيد الشخصي..؟

 لماذا ننظر إلى هذه الحالة الاجتماعية- التقاعد- على أنها مفتاح القبر..؟

ألم نأت نحن كمتقاعدين مكان أناس تقاعدوا قبلنا..؟

لماذا هذا التقييم السلبي..؟

لماذا نجعل من أنفسنا قوتاً للأزمات الصحية والنفسية وحتى العائلية  عندما نفرغ شحنات قهرنا في تمضية الوقت إما في المقاهي أو في البيت لمراقبة الشاردة والواردة في حياة الأسرة، فنصبح عبئاً ثقيلاً بدل أن نكون مرجعاً حنوناً وراقياً بحكم الخبرة والتجربة..؟

وإذا كان لدينا حديقة أو قطعة أرض فلنهتم بزراعتها والعناية بها، أو ننضم إلى إحدى الجمعيات الخيرية أو الثقافية، أو النوادي لنساهم في رعاية من هم في حاجتنا، أو لندعّم حاجاتنا نحن( رسم، شعر، أدب) أو ليكن هناك عمل وظيفي جديد إن أمكن- على ندرته- فالإنسان لا يعدم الوسيلة للعمل ولملء أوقات فراغه إن هو امتلك العزيمة والتصميم.

ولنعلم أن/ غاليليه / كان في عمر السبعين عندما اكتشف حركة دوران الأرض حول الشمس. و/ مايكل أنجلو/ عاش حتى نهاية حياته/89/ عاماً متنقلاً بين الرسم والنحت والشعر والموسيقا. كما أن/ فيكتور هوغو 83/ عاماً كان قد كتب أجمل الروايات والأعمال الأدبية في عمر متقدمة. ولا ننسى/ عمر المختار/ قائد الثورة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، وكم كان عمره عندما تم إعدامه وهو يقاتل.

وهناك أمثلة كثيرة بقيت معطاءة حتى اللحظات الأخيرة من عمر متقدم، فالمائة عام ليست حداً للحياة الإنسانية، ولا حداً لنشاط الإنسان الفيزيولوجي والفكري وقدرته على العطاء والعمل.

لذا يفترض بالإنسان أن يكون فاعلاً في محيطه الشخصي والعام، ليكون لوجوده معنى، وليترك أثراً إنسانياً لا يمحى.

 

  

 تعليقك على الموضوع:

 الاسم:

 البريد الإلكتروني:

 التعليق:

   القائمة الرئيسية  

 

   

       الصفحة الرئيسية     

 
 

 من نحن     

 

مقالات ودراسات     

 

تقارير وتحقيقات     

 

 شخصية العدد     

 

 مرصد     

 

أدب     

 
 

فن     

 

 قوانين ووثائق     

 

 معاهدات     

 

 الدساتير العربية     

 

 استشارات     

 

 أخبار من العالم     

 

 أخبار فلسطين     

 
 

 اللاعنف     

 
 

مؤتمر المرأة والتقاليد     

 

 دليل الجمعيات الأهلية     

 

تسجيل العضوية

 

للاشتراك وتلقي نشرتنا الأسبوعية يرجى التسجيل:

الاسم:

البريد الإلكتروني:

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © Thara. 2008. جميع الحقوق محفوظة